الإسلاميون على تخوم العلمانية

08 كانون ثاني 2018

العلمانية نزعة فلسفية، تعود جذورها إلى الفلاسفة اليونانيين القدماء من أمثال "أبيقور"، لكنها بدأت تكتسب صيغتها المعاصرة خلال "عصر الأنوار" الأوروبي على يد عدد من الفلاسفة من أمثال الفرنسي "فولتير"، والأمريكي "توماس جيفرسون" الذي يعد أحد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة وواحد من أشهر رؤسائها، وغيرهما من الفلاسفة والمنظرين السياسيين.

 

والعلمانية فلسفة تدعو للفصل بين الدين والسياسة، وهو ما عبرت عنه تعاليم الكتاب المقدس: "إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، وتتصف الدولة العلمانية بالمساواة بين مواطنيها، وعدم التمييز بينهم على أساس الدين أو العرق أو الجنس، وترى العلمانية أن الأنشطة البشرية والقرارات السياسية ينبغي أن لا تخضع للمؤسسات الدينية.

 

ومع أن العلمانية في أصل نشأتها وتعريفها تقف موقف الحياد من الدين، إلا أن معظم العلمانيين راحوا يوظفونها في مواجهة الدين، لاسيما في البلدان العربية والإسلامية التي تنشط فيها الحركات الإسلامية وتنادي بـ "تطبيق الشريعة" أو إقامة "دولة "الخلافة"، فلا غرابة إذن أن يحتدم الصراع بين الحركات الإسلامية وبين المنادين بعلمانية الدولة، هذا الصراع الذي وصل في مناسبات عديدة إلى حد الصدام المسلح، ودفعت فيه الأمة ضريبة باهظة من دماء أبنائها!

 

إلا أننا في العقود القليلة الماضية بدأنا نلاحظ تغيرات ملفتة للنظر في مواقف أغلب الحركات الإسلامية من علمانية الدولة، ولسنا مبالغين إن قلنا إن بعض هذه الحركات البارزة والمؤثرة في الساحة العربية والإسلامية بدأت تتوجه بخطوات حثيثة نحو القبول بعلمانية الدولة، وربما يرجع هذا التغير في المواقف إلى نتائج الصراع المسلح الدموي الذي أشرنا إليه آنفاً وأسفر عن نتائج مأساوية، دون أن ينتهي إلى تطبيق الشريعة أو قيام دولة الخلافة!

 

ولكي لا نبقى في إطار العموميات سوف نورد هنا طائفة من الشواهد التي تدلل على هذه التغيرات المهمة في مواقف شريحة واسعة من الإسلاميين تجاه العلمانية ، ونبدأ بسرد مقاطع من حوار جرى خلال الأيام القليلة الماضية بين عدد من الإسلاميين رداً على مقالة أحد المفكرين الإسلاميين السوريين أكد فيها رفضه التام لعلمانية الدولة ، ودعا إلى تأسيس دولة مدنية في سورية بمرجعية إسلامية وسطية، على أساس أن الإسلام هو دين أغلبية السوريين، فردَّ عليه الآخر قائلاً: (إذا كانت أغلبية السوريين من الإسلام السنة فلماذا نطلب أن ينص الدستور على أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً سنياً؟ لا بارك الله بأغلبية مسلمة سنية لا تختار منها رئيساً للبلاد، ويتوجب عليها أن تستشعر أنها مسؤولة عن حماية البلد من خلال مشاركتها في تشكيل الحكومة والتصويت في الانتخابات، وعلى النواب المسلمين أن يقوموا بسن التشريعات التي تخدم دينهم وأهلهم، بدلاً من المطالبة بحجز المواقع في نصوص الدستور والدخول في شجار مع الآخرين نستطيع تجنبه) والشاهد هنا أن صاحب هذا الرد لا يرى ضرورة لأن ينص دستور البلاد على دين ومذهب رئيس الدولة، ولا يرى ضرورة كذلك لتخصيص نصوص في الدستور تخدم فئة أو جماعة أو إيديولوجيا معينة قد تكون سبباً في النزاع، وهذه واحدة من أبجديات الدولة العلمانية.

 

وجاء رد آخر يؤيد هذا الاتجاه، بل يقترب خطوات أكثر من حرم العلمانية، فهو يرى أن الخطوة الأولى لفض الاشتباك السياسي الحاصل حالياً في ساحتنا العربية والإسلامية يكمن في إقامة (الدولة المدنية التي لا يتمتع أي من أفرادها بأي امتيازات خاصة في الشأن العام، وأمام القانون العام، بسبب من رتبة عسكرية أو ما في حكمها كالشرطة والدرك، أو مكانة قبلية أو عائلية أو مركز علمي ديني أو غير ديني..) والشاهد هنا أن صاحب هذه المقولة يرفض أن يكون لأصحاب المراكز الدينية أية امتيازات في الدولة المنشودة، وهذه واحدة أخرى من أبجديات الدولة العلمانية.

 

ويؤكد صاحبنا رأيه هذا فيتابع قائلاً: (.. وإذا طالبنا بأن يتم وضع الدستور من قبل لجنة من فقهاء الدساتير، يتم انتخابها من الشعب، وسكتنا عن شرط مسبق بضرورة إسلاميتهم فهل نكون قطعنا خطوة إضافية؟) يعني خطوة أخرى نحو تأسيس الدولة المدنية المنشودة، وفي هذه المقولة تصريح واضح أن الدستور ينبغي أن يوضع من قبل فقهاء الدساتير دون اشتراط إسلاميتهم، وبهذا يقترب صاحبنا خطوة أعمق في صلب الدولة العلمانية، بل هو يوغل أكثر فأكثر حين يتابع فيقول: (من باب المقارنة البسيطة فإن قليلاً من القوانين العامة لكل الدول يتعارض مع الإسلام، مثل السماح بزواج المثليين في بعض الدول، وكذلك المعاملات البنكية الربوية، وبيع الخمور في العلن.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك القوانين ليست إلزامية، فالناس غير ملزمين بالاقتراض من البنوك وغير ملزمين بشراء الخمور ولا لحم الخنزير ... ) فهو لا يرى ضرورة لسن قوانين تنص على تحريم بعض المحرمات في الإسلام، مادام أن الدستور لا يلزم المواطنين بممارستها، ويوغل صاحبنا أكثر فأكثر في حرم العلمانية فيختم رأيه بالقول: ( على الأجيال التالية أن تتقدم باقتراحات لتعديل الدستور بما يتناسب مع زمنها وفهمها وعددها ونسبتها من المجتمع وانتمائهم الفكري والدين، فإن حصل ذلك فلسنا بحاجة لأحزاب تسمي نفسها تسمية دينية، ولا تقول عن نفسها إنها ذات مرجعية دينية، بل ذات مرجعية دستورية، والدستور لا يخالف الشريعة، وفي هذه الحالة على الأحزاب أن تتسابق في تقديم الخدمات للشعب لا أن تتسابق في عملية فرض الآراء والمعتقدات ) ولا أحسب أن أحداً آخر من الإسلاميين قد سبق إلى مثل هذا العمق من القبول بعلمانية الدولة !

 

إن هذه الشواهد وغيرها كثير مما بدأ ينشر هذه الأيام بغزارة من قبل بعض الإسلاميين، يحمل دلالة قوية على أن الإسلاميين بدؤوا بالفعل يدخلون حرم العلمانية، بعضهم على استحياء، وبعضهم الآخر بصراحة وجرأة غير مسبوقة، مما يوحي بنقلة نوعية قريبة في العمل الإسلامي، يمكن أن تنهي فترة عصيبة عاشتها الأمة في صراع فكري مرير، نأسف له، لكننا في الوقت نفسه نرى أنه كان ضرورياً لأنه – بمنطق التاريخ - من الشروط اللازمة للتغيير.

 

والواقع أن المسألة لم تقف عند حدود الطرح النظري الذي يتماهى فيه الإسلاميون مع علمانية الدولة ، بل تعدوه إلى الممارسة العملية، فقد أصبحت غالبية الحركات الإسلامية تتبنى أبجديات العلمانية دون حرج أو تردد، وعلى سبيل المثال فقد سلم الإسلاميون بـ "الديمقراطية" بعد عقود طويلة من الرفض الشديد لها باعتبارها كفراً بواحاً، كما سلم معظم الإسلاميين بمبدأ "المواطنة" التي تساوي بين مختلف المواطنين دون تمييز، وهو مبدأ لطالما رفضه الإسلاميون كذلك، أضف إلى هذا قبول الإسلاميين بالاحتكام إلى "صندوق الاقتراع" بعد أن ظلوا لعهود طويلة ينادون بـ "الاحتكام إلى الشريعة"!

 

وهكذا يبدو للمراقب أن نخبة واسعة من الإسلاميين قد قطعوا شوطاً بعيداً وأصبحوا بالفعل داخل حرم العلمانية التي ظلوا طويلاً يرفضونها ويكفِّرون من ينادي بها ، وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال فنحن إذن على مشارف تغيير نوعي في طروحات الإسلاميين خلال السنوات القليلة القادمة يمكن أن يجعلهم يتماهون تماماً مع العلمانية كما فعلوا عندما تماهوا مع الديمقراطية، ولن يتعذر عليهم أن يجدوا الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة التي تدعم توجههم هذا، بل إن أحدهم صارحني قبل أيام باعتقاده الجازم أن الدين الإسلامي جاء ليرسي قواعد المجتمع العلماني الذي يتيح للناس أن يدخلوا الإسلام عن طواعية ودون إكراه، واستشهد على ذلك بعدد كبير من الآيات ، منها قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) البقرة 256، واستنبط من ذلك أن الله عز وجل لا يريد فرض دين معين على المجتمع كما يزعم بعض الإسلاميين الذين ينادون بتطبيق الشريعة ، وهذا في رأيه أسُّ الأساس في الدولة العلمانية، وأورد محدثي كذلك عدة آيات تفيد أن الرسل والأنبياء ليسوا أوصياء على المجتمع، وإنما هم فقط مبشرين ومنذرين، واستشهد على ذلك بآيات عديدة، منها قوله تعالى لبعض أنبيائه: ( فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر ) الغاشية 21 ـ 22، وقوله: ( ليس عليك هداهم ) وقوله: ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر ) الكهف 29، وغيرها من الآيات التي قال صاحبي إنها تفيد أن مهمة الأنبياء لا تتعدا البلاغ المبين، وينبغي أن تتوقف مهمة علماء الدين والدعاة والإسلاميين عند هذا الحد ما داموا يعتبرون أنفسهم "ورثة الأنبياء" ، وهذا يعني أن الداعية غير مكلف بأن يحمل المجتمع على تطبيق الشريعة كما يفعل بعض الإسلاميين ، وهذه في اعتقاد صاحبي هي روح الدولة العلمانية التي تتيح للناس البيئة الأنسب ليختاروا شريعة الله ، ودلل صاحبي على قوله بأنه عاش في سورية زهاء أربعين عاماً فلم يسمع بشخص مسيحي ترك دين آبائه ودخل في الإسلام ، لكنه وهو يعيش اليوم في باريس عاصمة العلمانية الأولى لا يكاد يمر عليه أسبوع إلا ويسمع بمسيحيين يدخلون في الإسلام !

 

وصمت صاحبي، تاركاً إياي غارقاً في سيل من الأسئلة والإشكاليات المحيرة: فهل كان صاحبي على حق فيما زعم؟ وهل دخل الإسلاميون بالفعل حرم العلمانية؟ وهل تشكل الحالة العلمانية الجو الأنسب لانتشار الإسلام؟ وهل أراد الإسلام بالفعل تأسيس مجتمع علماني باعتباره الأنسب لنشر دعوة الإسلام كما زعم صاحبي؟ أسئلة محيرة عديدة أتركها رهن الإجابة عليها في وقفة تالية إن شاء الله تعالى (؟)

 

 

الكاتب: أحمد محمد كنعان

المصدر: المنتدى الدولي من أجل إسلام ديمقراطي

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية