قطع الطريق أمام العقيدة التكفيرية يبدأ بإيجاد الأمل في المستقبل

22 كانون أول 2017

الأحكام التي بنتها أوساط غربية كثيرة عن المسلمين، شملت حتى النخب الثقافية التي لم تكلف نفسها عناء البحث في الموروث الثقافي الإسلامي على امتداد قرون طويلة وكيف قدمت هذه الحضارة نماذج مشرقة ورائدة عن التعايش والقبول بالآخر. هذه النماذج حاولت جهات غربية النسج على منوالها في وقت مبكر كما أشارت إلى ذلك الباحثة في الدراسات الإسلامية بجامعة برينستون، صداف جعفر.

 

موجات التطرف الإسلامي وما رافقها من عمليات إرهابية دموية، خلقت ارتباكات معرفية في الغرب حول صورة الإسلام والمسلمين، وهي صورة نمطية معممة وتتمثل في أن للعقيدة الإسلامية عنوانا واحدا هو القتل والتدمير ومعاداة كل ما هو مختلف عن المسلمين.

 

كثيرة هي الآراء التي تطلق حول الإسلام من طرف أوساط غربية دون أدنى تفكير مثل وصف أحدهم الدين الإسلامي بـ”المتعفن إلى حد النخاع”. وتقول صداف جعفر، وهي باحثة في الدراسات الإسلامية بجامعة برينستون للدراسات الدولية والإقليمية “نعم، هكذا وصف ضيف بجانبي الإسلام، وكان ذلك في حفل زفاف مؤخرا بعد أن صارحت الحضور بأن رسالة الدكتوراه التي أنجزتها تتحدث عن المسلمين الهنود”.

 

وتضيف الباحثة “لقد سمعنا كلنا ادعاءات مماثلة بأن الإسلام عنيف في جوهره، وغير متنور وتزيد الهجمات التي تنفذ باسم الإسلام والتغطية الإعلامية المكثفة التي تنتج عن ذلك في تدعيم هذه الآراء بشكل مستمر”.

 

وجهات النظر المستقطبة هذه تفوتها حقيقة أساسية، ألا وهي أن الإسلام مؤسسة بشرية، شكلته وعاشته كائنات بشرية، ولا تزال إلى الآن تملك القدرة على تشكيله وإعادة تشكيله وتبرئته من الإرهاب والتطرف وذلك عن طريق نزع كل ما يثير فيه اللبس من الأحكام ويرى فيها المتطرفون مبررا لعقيدتهم التكفيرية.

 

أحد المظاهر الأكثر لفتا للانتباه عندما يحتد النقاش عن مسألة الإسلام والإسلاميين، هو أنّ الطرفين المتضادين يتشابهان إلى حد التطابق في حالة التشنج والتعصب واعتماد نفس النهج المتعصب، فيتساوى في ذلك المتطرفون الإسلاميون من جهة والمتعصبون الكارهون للإسلام والمسلمين من جهة ثانية.

 

هكذا يرى الطرفان في الإسلام كيانا ضيقا وثابتا غير متحرك، تحكمه قوانين واضحة ويمتلك جوهرا لا يتغير على عكس ما ناقشه الباحث في جامعة هارفارد، شهاب الأحمد، في كتابه “ما هو الإسلام؟”، والذي ينتقد فيه التركيز المفرط لدى غالبية من الباحثين والمحللين على الخطابات التقييدية داخل النصوص الإسلامية مع إقصاء العناصر الاستكشافية والمبتكرة من الحضارة الإسلامية.

 

وفي هذا الصدد تقول الباحثة صداف جعفر إن الإرث الإسلامي الثري من فن وأدب وفلسفة وموسيقى وغيرها، يدحض تلك التأويلات الضيقة والقراءات الإقصائية للإسلام والمسلمين، والتي من شأنها أن تغذي نعرات التطرف كردات فعل منتظرة.

 

وللتدليل على وجود نماذج قوية وفاعلة في محاربة التطرف قديما وحديثا في العالم الإسلامي، تعتبر جعفر، المتخصصة في الدراسات الإسلامية أن الروائية والناقدة الهندية التي كانت تكتب باللغة الأوردية، عصمت شوغتاي (1911 - 1991) هي من أهم من كتب بهذه اللغة ذات الانتشار الواسع، وترى أن هويتها الثقافية الإسلامية، لم تمنعها كمواطنة في دولة علمانية من مواصلة نشاطها في المجال الحقوقي ودفاعها عن العدالة الاجتماعية.

 

وتذكّر صداف جعفر بمقابلة صُحفية أجرتها شوغتاي في سنة 1990 حين قالت “فيما يخص أحكام الشريعة الزائفة، أرفض رفع قضيتي إلى محكمة حيث تعامل شهادة رجل واحد كشهادة امرأتين”.

 

نبعت آراء الكاتبة الهندية من إيمانها الراسخ بالمساواة بين الرجل والمرأة مما جعلها ترفض رفضا قاطعا ما يسمى بالأحكام الشرعية، وهي أحكام في جوهرها تحقّر المرأة وتعتبرها كيانا ناقصا. ورفضت شوغتاي المثول أمام محكمة تعتبرها مزيفة وتحتكم إلى تشريعات ظالمة ومحقرة للمرأة.

 

هذه النزعة الإنسانية ليست حكرا على العصر الحديث، بل تمتد إلى القرون الأولى من الإسلام؛ ففي العهد العباسي تساءل ابن المقفع (توفي في عام 757 م) عن جدوى الديانات الفردية، إذ كتب يقول “قررت أن أقتصر فقط على تلك الأفعال التي يعرف كل الناس أنها خيرة وتتفق مع كل الأديان”. وشدد صاحب ”كليلة ودمنة” على فكرة أننا ننتمي إلى عائلة بشرية واحدة مما يعطي الدليل على تجذر ورسوخ هذه النزعة الإنسانية العابرة للأعراق والأديان في الحضارة الإسلامية، وفي القارة شبه الهندية على وجه التحديد.

 

وفي نفس السياق كتب الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي (1210 - 1291 م)، في كتابه المؤثر والأخاذ “غوليستان”، “البشر في حقيقتهم مثل أطراف الجسد الواحد بما أنهم مخلوقون من جوهر واحد”.

 

وتقول صداف جعفر إن الفوارق الطبقية والدينية في الهند كثيرا ما كانت تنمحي، هذا البلد ذو الامتداد الجغرافي والتاريخي الواسع، والتنوع الهائل في مكوناته البشرية، ففي فترة حكم الملك المسلم الهندي جهانكير (حكم بين 1605 و1627) أعجب السير توماس رو، مبعوث الملك جيمس إلى البلاط المغولي، بثقافة القبول بالآخر في الهند إلى درجة أنه دافع في البرلمان البريطاني عن ضرورة اتخاذ الإنكليز لموقف مماثل من التسامح تجاه الأقليات الاثنية والدينية. هذه الأمثلة من التبادل والحوار والقبول يمكن أن تكون أمثلة محتملة لمبادئ حرية الدين وحرية الضمير اليوم.

 

الباحثة تعتبر أن استتباعات هذا التاريخ فيما يخص السياسات متشعبة، فمن ناحية يجب ضمان احتواء الأنظمة التعليمية في كافة أنحاء العالم على وثائق ومصادر ومقررات تدريسية من المجتمعات المسلمة، ليس فقط في الدروس حول الأديان لكن كذلك الدروس عن الموسيقى والفن والرقص والأدب. ومن ناحية ثانية يجب ألا نقبل بأن يكون الخياران الوحيدان في الدول ذات الأغلبية الإسلامية هما من يسمون “الديمقراطيين غير الليبراليين” أو الاستبداديين.

 

وترى جعفر أن القول بأن المجتمعات المسلمة استثنائية نوعا ما في عجزها عن إنتاج مؤسسات وقادة ديمقراطيين حقيقيين لهو “قول فيه استعلاء”.

 

وتضيف الباحثة أن بعض المثقفين المسلمين يروجون لفكرة مفادها أن المسلمين عموما غير مؤهلين للعيش في مناخات ديمقراطية، وهذا خاطئ من أساسه.

 

إدانة ومحاربة الحركات المتطرفة التي تمارس العنف باسم الإسلام، صارتا أمرا واجبا على الجميع وهذه الحركات لا ينبغي أن نتركها تحدد تاريخ الإسلام ولا مستقبله. وتقول الباحثة بأن لدينا نحن المسلمين وغير المسلمين على حد السواء، خيارا في كيفية تحديد الإسلام.

 

والمسؤولية في نظر صداف جعفر، ملقاة على عاتق المثقفين وواجبهم هو إلقاء الضوء على الجانب الحقيقي والمشرق للموروث الإسلامي مع ضرورة تخليصه من تلك الشوائب التي من شأنها أن تكون ذريعة لدى المتطرفين للتمادي في ممارسة العنف والتكفير.

 

وتختتم صداف جعفر بالقول “… وفي لحظات اليأس نتساءل كلنا هل يوجد أمل في قدرتنا على استئصال موجة العنف المتطرف؟” وتعقب الباحثة قائلة “أنا أستلهم من الكتاب والمثقفين والناشطين المسلمين الذين كانوا ومازالوا يدافعون عن حقوق الإنسان والتعددية والمساواة بين الجنسين”.

 

 

المصدر: العرب اللندنية

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية