العقلية التحريمية في الفقه الأصولي.. إرث من الانغلاق وبنية من التكبيل

23 تشرين أول 2017

الذهنية التي تتأسس عليها التيارات الأصولية في كل العقائد المنغلقة، تعتمد التحريم بديلا عن منطق القانون الذي تعتمده الدول المتحضرة، وتتخذ من التخويف والتأويل المرضي للحريات الشخصية، ذريعة لتعزيز سطوتها.

 

قاعدة “سد الذرائع” هي حجة فقهية أصولية يتم استعمالها لتبرير التوسع في نهج التحريم والتضييق عبر الترهيب مما يسببه الانفتاح والحرية من مفاسد افتراضية يتم اختلاقها وتضخيمها وصناعة عالم خيالي من “الديستوبيا” أو المستقبل الشرير.

 

ومثالُ ذلك تحريم قيادة المرأة للسيارة خوفا من أن تستخدمها في الذهاب إلى موعد غرامي، إذ يحاول الخطاب التحريمي استلاب العقل الجمعي برفع فزّاعة “الانحلال الجنسي” وتسويق أن قيادة المرأة ستكون ذريعة مؤدية إلى مشاهد فظيعة من الانحراف السلوكي والتفسّخ الاجتماعي على الرغم من عدم وجود أي ارتباط منطقي بين القضية والمخاوف المثارة حولها، فالمنطق هنا شعبوي هدفه تكريس الهشاشة الذهنية وخلق الإذعان الشعبي وإشاعة ثقافة التهويل بحيث يتحول المجتمع إلى كتلة منفلتة بلا وازع وقابلة للانزلاق إلى التكفير والتدمير، فتنجرف إلى شيطنة كل سلوك لا يروق للمؤسسة الدينية.

 

لقد تم توظيف هذه المغالطة في ترسيخ هيمنة الثقافة الأصولية وسطوة “المحظورات الشرعية” والسلطة الرمزية للتيار الصحوي، ما أفضى إلى نشوء وتجذّر حالة من التبدّد النفسي واضطراب الهوية والانفصال عن الواقع لدى المجتمع، وبناء “جمهورية خوف” أي التهديد بجحيم اجتماعي سيعيشه الناس في الحياة قبل جحيم الآخرة إن هم لم يخضعوا لأوامر ونواهي الشيوخ الصحويين.

 

بوصلة شيطنة

 

يتغافل الوعي الأصولي عن أن قيادة المرأة هي وسيلة للخير تساعدها في أن تكون زوجة صالحة وأما ناجحة عبر نقل أطفالها للمدرسة ومساعدة زوجها في الواجبات الأسرية؛ أليس هذا من المقاصد الدينية الحميدة؟

 

فلماذا يستسلم الأصوليون للتوقعات السلبية ويهملون كل ما هو إيجابي وإنساني؟ لماذا تكون بوصلة الفقه الأصولي موجهة دائما نحو سد ذرائع الفساد ولا تتحرى فتح آفاق الصلاح والخير وتمهيد سبل النماء والرفاه للبشر؟ لماذا يهيمن التفكير السلبي وعقلية الأزمة على الفكر الديني الصحوي؟ لماذا تنطلق الفتاوى من نزعة اتهامية وقسوة في التعامل مع الأفراد وتزهد في قيم الثقة والتفهّم لحاجات واهتمامات الآخرين؟

 

ثم ألا يمكن استخدام حجة سد الذرائع أو درء المفاسد نفسها لبناء موقف ديني عقلاني معاصر عبر توظيفها في تسويغ نوع من الإباحة أو حتى السكوت على القضايا الحساسة، كالمثلية الجنسية؟ إذ أن المؤسسة الدينية يمكن لها أن تعترض على السلوك المثلي باعتباره يتنافى من وجهة نظرها مع القيم الدينية؛ ولكن ليس من حقها أن تحرّض ضد المثليين وتستعدي عليهم الجمهور.

 

لماذا ينشغل فقهاء الأصولية بالمفاسد المتوهمة المترتبة على إباحة الأشياء ولا تعنيهم المفاسد الواقعية الناتجة عن التحريم؟ يحصل هذا لأن العقل الفقهي يضع الدين قبل المتدين، والعقيدة فوق الإنسان، فهو غير معني بحرية الأفراد بل ينصب اهتمامه على جعل سلوكهم منسجما مع أوامر ونواهي الشريعة.

 

ولذلك يتم استخدام مصالح البشر كأداة لتسويغ وتسويق التعنّت والتعسّف، بينما لو كان الإنسان هو البوصلة ومصالحه هي الغاية لحصل العكس و لأبيحت الكثير من الأمور في إطار احترام حرية الإنسان وإنسانيته وحاجاته وحقوقه.

 

وقد يحتج الأصوليون بأن القيود المفروضة على تناول الكحول، مثلاً، في الغرب، من حيث الشروط والمعايير إنما تؤكد “المفاسد” المترتبة على إباحة الخمور وتُثبت صوابية سياسة التحريم القطعي التي يتبعها المنهج الأصولي باعتبار أن الحظر يجتث التداعيات غير المرغوبة جذرياً.

 

لكن التنظيم الكحولي في الغرب يبرهن على عكس الزعم الأصولي، فسياسة “الإباحة مع التقييد القانوني” المعتمدة في الدول العلمانية التي تحترم إرادة واستقلالية الفرد والتعددية الثقافية إنما تكتسب فعاليتها من كونها البديل الحديث والناجع لسياسة التحريم الفقهي البدائية ذات الطابع القسري الشمولي والتي تترتب عليها مفاسد جانبية كثيرة بسبب غياب الوعي الوقائي والسلوكي الذي تضمنه الشفافية التي تتيحها سياسة الإباحة العقلانية المنظّمة بالقانون وتخضع تطبيقاتها لإشرافه.

 

المسألة تبقى خيارا شخصيا وثقافيا، لكن الحرية الشخصية وحماية الصحة والمجتمع والأسرة واحترام التنوع، يجب أن تكون المرجعية في تنظيم جميع السلوكيات والظواهر الاجتماعية، وليس التغلّب الثقافي الأيديولوجي على المجتمع بالأغلبية العددية أو سلطة المقدس لإخضاعه لتأويلات النص الديني والأحكام الفقهية الفاشية.

 

ومهما زعم دعاة الصحوة أن في الخمر أو المثلية أو قيادة المرأة للسيارة أو الاختلاط بين الجنسين مفاسد تستوجب التحريم، فسيبقى التحريم بذاته المفسدة الأعظم لأنه قمع للإنسان وإلغاء لشخصيته وكسر لإرادته وتقويض للوئام الأهلي.

 

القمع تدمير لإنسانية الإنسان، فهل نحمي أخلاق الإنسان بانتهاك إنسانيته؟ إن العواقب الوخيمة لانتهاج التحريم والتخويف في إدارة الفضاء العام هي أكثر خطورة مما قد يترتب على اعتماد الانفتاح وفك القيود والتسامح من آثار جانبية غير مرغوبة يمكن تطويقها وتقليصها عبر التنظيم والتقنين والرقابة.

 

حرية الإنسان والمجتمع هي الأساس، ولا ثمرة تُرجى من انتهاكها، وكل ما دون الحرية من قضايا جدلية تمكن معالجة تداعياته وعقلنتها بالضبط القانوني والانضباط المجتمعي الواعي، لا بلغة القرون الوسطى، هذا ما ينبغي أن يفهمه التيار الأصولي.

 

وتبدو “استراتيجية الحد من تعاطي الكحول على نحو ضار” التي وضعتها منظمة الصحة العالمية مثالا استرشاديا مهماً على وسائل “التنظيم المدني” البديلة عن فتاوى التحريم الديني.

 

وتتضمن مجموعة من الشروط والمعايير والسياسات والتدابير التي تضمن للدولة حماية سكانها من المخاطر الصحية والاجتماعية والاقتصادية لتناول المواد المُسكِرة على نحو غير عقلاني. إنها وثيقة علمية وإنسانية تحترم حقوق وحريات وخصوصيات البشر وتنوعهم واندماجهم، وتحافظ على مصالحهم الخاصة والعامة في الوقت نفسه، وبأفقٍ تنموي وحضاري، وليس قهرهم على الإقلاع عنها بسلطة التعنيف والإرغام العقائدي. لكن التيار الأصولي لا يعترف بسياسات التنظيم والتقنين المتحضّرة لما تتطلبه من إقرار بعلمانية الدولة وبالحرية الفردية، وما تحتاجه من جهود مؤسسية ديمقراطية، وتصالح مع الذات وتقبُّل للآخر واعترافٍ به، ويفضل الصحويون سياسات الحجْر والحظر والكبت والقمع.

 

 تنبني سياسات الضبط الاجتماعي في الدولة المدنية على سيادة القانون والوعي والالتزام الإرادي الحر من الأفراد، بينما تنطلق سياسات التحريم في الدولة الثيوقراطية الدينية من قدسية تابوهات العقيدة وسلطان فقهائها ورهبة الخروج على تعاليمهم وما يترتب عليه من خروج عن الملّة والطائفة.

 

في المجتمعات المتنوعة ثقافيا، وفي القضايا الخلافية المتعلقة بالدين والجنس والتعبير عن الذات والهوية، لا يمكن الحد من “المفاسد” المترتبة على بعض الظواهر والسلوكيات، لا سيّما في ظل وجود خلاف نظري ومجتمعي حول مفهوم “المفسدة” نفسه، وذلك بسبب تعدد الاتجاهات، وستؤدي سياسات الحظر إلى أزمات وصراعات كما هي سياسات الإباحة غير المنضبطة.

 

إدارة التنوع وإدارة المخاطر

 

لذلك تلجأ المؤسسات الديمقراطية عادةً للتعامل مع هذه الإشكالية من خلال فلسفة تشريعية تعتمد “التنظيم القانوني” للظواهر ووضع الضوابط والمحددات للسلوك المواطني كحل وسط بين المنع القسري الذي يهدد الحرية الفردية وبين السيولة السلوكية المنفلتة التي تهدد السلم الاجتماعية، حيث ينطلق صانع القرار أو المشرّع هنا من المزاوجة بين مفهوم “إدارة التنوع”؛ الاعتراف بالفروق الثقافية واحترامها، ومفهوم “إدارة المخاطر”؛ استشراف وتحديد وقياس التحديات والتهديدات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية التي تواجه المجتمع المتنوع، وتطوير استراتيجيات ومؤسسات إدارتها والتحكم فيها لتخفيضها إلى مستويات مقبولة واحتوائها، وتحويلها إلى فرص للاندماج والتطور والتنمية.

 

إن إدارة المخاطر هي من أهم أدوات الحكم الرشيد، وليست الحَوْكمة سوى الإدارة العلمية للأزمات وامتصاص صدماتها واستثمارها في تحقيق التميّز والرخاء والازدهار.

 

المجتمع المتقدم لا يناقش الخيارات الشخصية والاجتماعية من زاوية الحلال والحرام، وإنما من زاوية الصواب والخطأ، والفرق بينهما أن الزاوية الأولى دينية سلطوية قطعية تغلق باب الجدل والاجتهاد، والثانية عقلانية نسبية تفتح باب التفكير والنقاش حول مصالح الأفراد والمجتمع حيث لا يمتلك أحد اليقين أو الحقيقة المطلقة، كما أن التنوع يفرض على الجميع أن يقبل بالجميع، وليس لأحد أن يفرض رأيه الديني أو توجهه الثقافي على الآخرين.

 

ولكن تبقى هنالك قضايا لا تحتمل اللبس وتحتاج إلى تجريم صريح إذ قد يؤشر السجال حولها على تخلّف اجتماعي وثقافي لأنها واضحة في تعارضها مع حقوق الإنسان، مثل التمييز العنصري والتعذيب والإساءة للأطفال وغيرها، فهذه قضايا حقوقية تأسيسية لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية وسلام اجتماعي من دونها لأنها ترتبط بالكرامة الإنسانية.

 

الانفتاح هو المسار الأمثل نحو التقدم والرفاه، وفي مناخاته يبني المجتمع شخصيته وهويته الحضارية المتجددة، ويصل إلى توافقات ديناميكية حول ماهيّة وتعريف الصواب والخطأ. أما الانغلاق الديني والثقافي فسيؤدي إلى إسقاط التعايش وضرب الوئام الاجتماعي مهما كانت الشعارات التي يرفعها التيار المتطرف أخلاقية؛ لأن أزمة المجتمعات ليست في الأخلاق ولكن في الأحادية الدينية والقسرية السلوكية.

 

إن المشكلة الكبرى هي في العقلية الأصولية نفسها. إنها عقلية تحريمية تدرك من خلال التشدد ذاتها وترى في التحريم قوتها وهيمنتها. فهي تعرّف نفسها كسلطة تقييد وتكبيل، وتفكيرها يدور حول المحرمات لا الحقوق والحاجات الإنسانية، لأنها تنطلق من نظرة ازدراء ديني للناس واعتبار تمتعهم بالحريات تهديداً للصحوة الإسلامية، كما يلجأ العقل الأصولي إلى التنفيس عن رغباته المكبوتة بإسقاطها على الآخرين واتهامهم بالسعي وراء الشهوات المحرمة.

 

يربط الخطاب الصحوي بين الإباحة والإباحية، وبين الحرية والانحلال، وبين التنوّع والكفر. وعلى الرغم من ترديد فقهاء الصحوة أن “الأصل في الأشياء الإباحة” فإنهم يحتكرون تطبيق هذه القاعدة، ويستحوذون على الحق في التحليل والتحريم، ويستأثرون بختم الإباحة وحدهم كي يحتفظوا بسلطتهم على الضمير الديني للأفراد والمجتمع.

 

تحريم استباقي وآخر احتياطي

 

يمارس الفقهاء الأصوليون “التحريم الاستباقي” لكل الحالات والظواهر كما يعتمدون شكلاً من السلوك التحريمي يمكن أن نسميه “التحريم الاحتياطي” حيث يرى القاضي السعودي السابق محمد الجذلاني، في تعليقه على ظاهرة انقلاب فتاوى التحريم إلى الإباحة مع مرور الزمن، أن بعض الأمور حُرّمت في بدايتها ليس لأنها تستحق التحريم، بل من باب استنكار الجديد، وعدم التعوّد عليه، مضيفا أن “كل شيء جديد كان يحرم احتياطا من باب سد الذرائع”، ما يعني أننا قد نكون هنا إزاء اضطراب نفسي ومعرفي يهيمن على سلوك المؤسسة الفقهية.

 

ولا يقتصر منطق “سد الذرائع” على الفقهاء الإسلاميين، إذ أن للأصولية منطقا مشتركاً بين مختلف العقائد، ففي العام الماضي أصدر حاخام يهودي من طائفة “الحريديم” المتشددة مرسوما بتحريم ركوب الدراجات على الفتيات ممن هن فوق سن الخامسة، معتبرا أن طريقة الجلوس على مقعد الدراجة تسبب أضرارا لهن وتثير شهوة الرجال حيث يلتقي هذا الخطاب مع خطاب أصولي.

 

كما تتوافق هاتان الأصوليتان الدينيتان مع أصولية علمانية ترفض دخول الطالبات المحجبات للجامعات بحجة تهديدهن الهوية العلمانية للدولة، فالأصولية بنزعتها التطهّرية التطهيرية المزدوجة، وبمنطقها الإقصائي الذي يعلي الأيديولوجيا فوق حقوق الإنسان وحاجاته، هي نزعة متطرفة عابرة للأديان والثقافات والمنظومات الفكرية.

 

والمتشددون الأصوليون الذين يرفعون شعارات إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بوذية أو قومية أو لادينية أو علمانية، يساند بعضهم بعضاً في القسوة والكراهية، وهم موحدون ضد الإنسان وكرامته على هذا الكوكب.

 

وثمة تشابه بين مغالطة سد الذرائع (التحريم بتزوير النتائج والعواقب) ومغالطة المنطق الدائري (التحريم بتزييف الأسباب والمقدمات)، فالتحريم الاستباقي القائم على انتحال آثار مستقبلية سلبية والتخويف منها يقابله التحريم الارتجاعي الذي يستند إلى توظيف وقائع التردي الاجتماعي الراهنة عبر ربطها بغير جذورها الحقيقية وإحالتها إلى أسباب مزيفة لتبرير التحريم، كما حصل مع تعليم البنات الذي تم تحريمه بالاستناد إلى منطق تدليسي يعتبر واقع تخلف وأمية المرأة دليلاً على عدم أهليتها بيولوجيا للتعليم، فتدني الوعي الثقافي والسلوكي لدى شرائح من النساء بسبب الظروف المحيطة بهن اعتبره الفقهاء الذكوريون إثباتا على أن المرأة “ناقصة عقل”، ما يعني، من وجهة نظرهم، أنها ستبقى جاهلة ومتخلفة ولن يجدي معها التعليم؛ بينما الحقيقة هي أن انتشار الأمية بين النساء وتردي أوضاعهن الاجتماعية والثقافية هما انعكاس لما تعرضن له من إقصاء جندري نتيجة هيمنة الفقه الذكوري المنحاز الذي يقول بعدم أهلية المرأة وتدني قدراتها الذهنية وراثيا حيث تم تشكيل النظم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية على أساس ازدراء المرأة ما أدى إلى نشوء وتجذّر واقع ظالم للمرأة صار الفقه الذكوري يعتبره الحالة الطبيعية وربما المثالية التي تؤكد دونية النوع النسوي ونقص جدارته.

 

 

 

المصدر: العرب اللندنية

الكاتب: همام طه

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية