نحو عقد اجتماعي مؤسس لدولة الحقوق والمساواة

18 تشرين أول 2017

مقدمة:

يُعزى الاستبداد الى عوامل عديدة تتعلق بتاريخ نشوء الدولة في العصر الحديث، ومن نافل القول أن نضيف الى تلك العوامل، العامل الوجداني للمجتمع، وتحديداً بما يتعلق بحقوق أفراده، وهرمية السلطة داخل شرائح المجتمع، حيث تنحو المجتمعات المنتجة للاستبداد الى التمسك بأشكال السلطة الهرمية، حيث أنّ الشكل البطرياكي للأسرة يختزل برمزيته الإشكال السلطوي برمته.

 

وحيث أنّ ضحايا الاستبداد السلطوي يدخلون في علاقة جدلية مع المستبد، إذ يتحول وجودهم الى آلة تنتج مؤثرات البقاء للاستبداد، فإنّ المرأة المنتهكة الحقوق تشكل الأساس القاعدي الذي يعيد إنتاج ثقافة الاستبداد في كل مرة تحاول قوى المجتمع إعادة تشكيل العلاقة مع السلطة على أساس الحقوق والمساواة.

 

إرهاصات التغيير في سوريا بين الواقع والمأمول:

 

لن يجد متأمل منصف لأحوال المجتمع السوري صعوبة كبيرة في توصيف جذر الإشكال السلطوي، وذلك من خلال تحديد ضحاياه، وكون أن الدولة المستبدة هي غالباً ناتج لمجتمع ترتكز علاقات أفراده على ثقافة الاستبداد، وبدورها فإن دولة الاستبداد تعمل جاهدة على تحصين تلك الثقافة من أي عملية تحديث يمكن أن تصيبها، فإن عملية تشخيص دقيقة سوف تقودنا الى رؤية السمات الآتية للمجتمع السوري:

 

1-     مجتمع سوري يحمل قدراً كبيراً من العطالة الاجتماعية، مما يتسبب في تباطؤ حراكه، وتباطؤ عمليات التغيير.

 

2-     بيئة اجتماعية تقودها مؤسسات بطرياكية الشكل، حيث تتوزع السلطة في المجتمع بشكلها الهرمي البدائي، مما يزيد من عطالة التغيير، وتتمترس بنية المجتمع في أنماط بدائية.

 

3-     مجتمع متصادم مع أفراده الطامحين لتغييره، مما يولد بيئة نابذة للغير المختلف.

 

4-     تشكل المرأة هدفاً سهلاً لسلطة المجتمع المستبدة، مما يساهم أكثر في عملية تحييدها عن حراك المجتمع.

 

5-     امرأة سورية عازفة عن المشاركة في عملية البناء المجتمعي، مما يؤول الى تباطؤ في عملية النهضة المجتمعية.

 

وكما ذكرتُ أعلاه فإن الأسباب الحقيقية لهذه المشكلة هي بنية المجتمع الثقافية والتي انعكست على بنية الدولة وقوانينها وقيمها، مما أدى أيضاً الى تعزيز هذه القيم التي لها سمة العطالة المجتمعية، عند فئة النساء أنفسهن، وقاد الى عزوفهن عن المشاركة في عملية البناء والنهضة، مما أدى بدوره الى غياب نصف فاعل من المجتمع، إضافة الى  ترسيخ مبادئ وقيم الذكورة والتي لا يمكن لها بمفردها أن تستنهض حضارة متوافقة مع معايير الحاضر مما سيقود إلى  مجتمع اقل تسامحاً وتقبلاً للمختلف والمغاير، وكذلك بيئة صالحة للتطرف القيمي والسياسي حيث أن تعزيز ثقافة اللون الواحد تؤسس لمناخ موائم لنبذ الآخر ومناخ مناسب لثقافة التطرف والكراهية.

 

إنّ مجتمعاً يغيب نصفه عن حراكه الداخلي، هو مجتمع مؤسس بامتياز لفلسفة الاستبداد، وما الاستبداد السياسي إلا التجلي الأكثر ظهوراً، ورغم أنّ الاستبداد السياسي حريص على ترسيخ تلك الثقافة وتجلياتها (نبذ المرأة وحرمانها من المشاركة احدى تلك التجليات) فإن محاولات القضاء عليه لن تجدي نفعاً طالما بقيت الثقافة المؤسسة له راسخة في منظومة المجتمع القيمية.

 

الميثاق وجدان الأمة:

 

لن يقود وجود نخب داخل المجتمع تسعى إلى التغيير، وإحقاق منظومة الحقوق العامة إلى تحقيق حلم التغيير إن لم تتسلح بشرعية فوق قانونية تستخدمها كحامل قيمي وأخلاقي، وحيث أن الأمم تسعى إلى أن تحمل أناها الأعلى على مواثيقها، فإنّ تلك المواثيق تصبح بالضرورة المهندس الاول لعلاقات المجتمع بعضه ببعض، إضافة الى علاقة الدولة بالمجتمع وأفراده، كما أن تلك المواثيق تصبح بالضرورة القاضي الأول الذي يحتكم اليه الجميع حين تتوه الحقوق.

 

إن هذه النخب نفسها منوطة بدور أكثر أهمية من خلق سيرورة التغيير، ألا وهي صياغة المبادئ المؤسسة لوجدان الأمة وهذهِ المبادئ تتجلى بالمبادئ العليا للدستور، والتي دونها لن يتسنّى لمجتمع أن يصيغ ميثاق قويم يلبي طموحاته.

 

إن واحدة من أهم المسؤوليات التاريخية لهذه النخب، هي اجتراح النصوص والمبادئ التي تنهي حقبة طويلة وسوداء من اضطهاد وعبودية لنصف مجتمع بأكمله وتغييبه عن دوره.

 

إن نصوصاً منحازة لإعادة حقوق مشروعة للمرأة، ليست مشروع إنصاف للمرأة بقدر ماهي مشروع انقاذ لوطن وأمة.

 

 

الكاتب: أمل الشيخو

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية