تجديد الخطاب الديني.. الإرادة الغائبة

13 تشرين أول 2017

الدعوات إلى تجديد الخطاب الديني هي دعوات قديمة تجددت مؤخرا على خلفية الوعي بضرورة محاصرة التطرف بتكذيب أدبياته، لكن الملاحظ أنه منذ إطلاق الدعوة، لم تباشر الجهات المعنية بذلك أشغالها وما انيطت به من مهام جسام، بل إن التفطن أصلا إلى ضرورة تنقية التراث متن الخرافات والتكلس لم ينبع من البيئات الدينية التقليدية بل جاء من قبل دوائر فكرية وسياسية. أبعاد متداخلة تسمح بسؤال الأهلية والقدرة؛ هل المؤسسات الدينية قادرة ببنيتها الحالية على تجديد الخطاب الديني؟

 

بدءا لنكن واضحين أن دعوة تجديد الخطاب الديني لم تخرج من بيئتها الطبيعية، أي من أوساط الشيوخ والعلماء والفقهاء، ومن المؤسسة الدينية على اختلاف هيئاتها ولجانها، لأن هذه البيئة كانت قد دخلت إلى مرحلة الضمور والعقم تعليميا وفكريا وثقافيا منذ سبعينات القرن الماضي حتى نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة.

 

خرجت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني من النخب السياسية والثقافية والفكرية، وتوالت الصيحات والنداءات، خاصة مع تصاعد العوامل والمبررات والدوافع التي تشابكت معا لإذكاء تلك الدعوة، منها الفراغ السياسي عامة وعند الأجيال الجديدة خاصة، في مقابل تصاعد حركات المد الأصولي والتطرف والعنف والإرهاب الذي اجتاح البلاد، مما لعب دوره في تشكيل بيئة خصبة للعديد من الدعوات والأفكار والاتجاهات غير الملائمة، وكلها تحت مظلة الخطاب الديني المحاط بالتحفظ والحذر من إبداء كلمة نقدية.

 

تلقفت البيئة المنوط بها القيام بالدعوة “الأمر” بما هو أفضل وخير للناس في دينهم ودنياهم، وحوّلته إلى مجرد خطب منبرية وبحوث ودراسات وتوجهات مدرسية جوفاء، أبرز ملامحها التناول بالصوت الجهوري الزاعق غير المتعقل، والتناول اللغوي المعتمد على المحسنات اللغوية والإبهار اللغوي أحيانا من سجع وجناس وغيره، ثم الاستشهاد بالمتروك والغامض من أحكام السنة غير الموثقة.

 

يضاف إلى ذلك نشر كتب هي عبارة عن تجميع لمقالات نشرت هنا وهناك للاستهلاك اليومي، وهي كتب لا تخرج عن كونها قراءات وتحليلات لكتابات مفكرين وشيوخ ومثقفين روّاد، لا فكر ولا إبداع فيها. لندخل في أجواء الفترات التي أغلق فيها الفكر الإسلامي باب الاجتهاد، مما أدى إلى ضمور العقل الإسلامي، فبات يشرح المشروح ويعلق على المعلق عليه، ويعيد ويزيد مقلدا ومحاكيا من دون أن يتجاوز أو يضيف.

 

هكذا تخلو الأمور الآن تماما من أي اجتهادات حقيقية تتماس وتتواجه مع إشكاليات الواقع المعاش ومصالح العباد. تخلو من أي رؤى وتجارب إبداعية تعتمد على إعمال العقل وتشتبك وتدافع عن الإنسان وتحميه من الأزمات الدينية والفكرية والاجتماعية التي تعترض وجوده، وتقدم له تفسيرات وتأويلات مقنعة لما يستجد من إشكاليات.

 

تفسيرات وتأويلات لا تقوم على التلفيق والتدليس والتزييف، ولكن على العقل والعلم والاجتهاد بما يؤكد احترام إيمان الناس بما أنزل إليهم من قرآن وما وصل إليهم من أحاديث نبوية وسنن الصحابة والتابعين وتاريخ وغيره، أو العمل وفقا لمقولة الإمام محمد عبده “العقل هو أساس معرفة الله عز وجل، فبالاستدلال والقياس المنطقي تستطيع أن ترى دلائل قدرة الله عز وجل في كل شيء حولك، فحق محاسبة العباد جميعًا هو حق من حقوق الله عز وجل لا سلطة لأحد فيه”.

 

ساهم في تفاقم الأمر أن الموروث السني منقسم بشأن إعمال العقل، جله يرفض إعمال العقل، ويعتمد التقليد منهجا، وقد ألقى ذلك بظلال كثيفة على محاولات تجديد الخطاب الديني فلم تنطلق وفق إطار علمي واضح يضع الأساس الصحيح لها. الأساس الذي يبنى عليه البناء ويعلو، ولم تكن هناك شروط موضوعة بناء على توافق لجنة من نخبة العلماء الثقاة في أمانتهم العلمية والأخلاقية، وهي شروط ينبغي أن تتوفر لبدء عملية التجديد كأن يتم العمل فورا على خطط لتنقية التراث من الخرافات والسموم المدسوسة وتطهيره وتقديمه للأمة في طبعات جديدة محققة، وما أيسر ذلك، خاصة مع كثرة المؤتمرات الإسلامية التي تجتمع فيها نخب العلماء والفقهاء والشيوخ وينفق عليها الملايين وتموت مناقشاتها وتوصياتها وآرائها بختام فعالياتها.

 

جاءت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني من دون خطة ولا رؤية ولا تأهيل، فدخل كل من سوّلت لهم أنفسهم العلم بالتفسير والتأويل رافعين لافتتها، ونبشوا المدسوس والمكذوب من الروايات والأحاديث والأحداث والوقائع، ومارسوا تفسير آيات التنزيل الحكيم بهوى عظيم وعمى بصيرة أعظم، ودون علم بشروط التفسير التي من بينها التمكن من علوم اللغة والفقه والحديث، ومعرفة دقيقة بالتراث التفسيري والفقهي والأصوليّ والكلامي، وملؤوا الدنيا فتاوى تجاهلت أمور الناس ومصالحهم وحاجاتهم البسيطة، وعملت على إرباك وتضليل قلوبهم وعقولهم في دينهم وحياتهم، إذ شككت وانتقصت من قدر بعض الصحابة والرواة الثقاة للحديث وعلماء المذاهب وغيرهم، وداهنت ودلست من أجل فتات الشهرة والمال والمناصب، ولعل ظاهرة ما يطلق عليهم الدعاة الشباب وكثرتهم تفسر البعض من تلك السلبيات.

 

تجديد الخطاب الديني في حاجة إلى إرادة تدفع إلى تأهيل البيئات الحاضنة للخطاب التقليدي والممثلة في الأزهر ومدارسه.

 

على الجانب الآخر من الأمر فإن قاعدة الشيوخ الموظفين من قبل وزارة الأوقاف المسؤولين عن الخطابة على المنابر في بر مصر، وقائمة المعلمين في المدارس والمعاهد الأزهرية جميعهم الآن، من دون استثناء، قد تخرجوا وفقا لمنظومة التقليد القائمة على الحفظ والتلقين والتكرار، ولا يرجى منهم شيئا في إعمال العقل والتفكير، وهؤلاء وأولئك هم المنوط بهم حمل الدعوة، وهؤلاء وأولئك لم يتم تأهيلهم لا أثناء وجودهم في فصول الدراسة ولا بعد تخرجهم في دورات علمية.

 

وهذا ما جعلهم عند انطلاق الدعوة في ثمانينات القرن الماضي يهاجمونها ويعملون ضد أن تكون مشروعا قوميا يساهم أولا في تنوير الناس وتحريرهم، ويحول ثانيا دون ترديهم في التطرف والعنف.

 

انفصل الأزهر وشيوخه كما انفصلت وزارة الأوقاف ومنابرها عن الجمهور المستهدف الذي ملّ وسئم خطابها الوظيفي الاستهلاكي التقليدي العقيم، خطاب يحتوي آية من هنا وحديثا نبويا من هناك وبينهما البعض من الجمل الإنشائية الباردة، أو تلك المقالات والكتب التي لا تحمل أي جهد أو اجتهاد أو إبداع في التحليل أو التفسير يتماس مع واقع الناس.

 

إني لأشك في كون هذه الدعوة “تجديد الخطاب الديني” قد جلبت لنا المصائب والمآسي من حيث ندري ولا ندري، كون بيئتها الحقيقية الحاضنة غير مؤهلة علميا وفكريا للقيام بها، والمؤهل لها غير معني بالأمر، بل إن بيئتها غير راغبة في التأهل ورافضة له، فقد استمرأت التقليد والخرافة والخزعبلات، وهنا لا يمكن تجاهل أن هذه البيئة فتحت الباب منذ السبعينات أمام غزو أصولي متطرف ممنهج حملته جماعات الإسلام السياسي التي خاضت في عقول وأفئدة المصريين في طول البلاد وعرضها، وجعلت منها مسرحا لها ولضيوفها من الهند وأفغانستان والسودان والجزيرة العربية وشمال أفريقيا، أضف إلى ذلك كتب ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وتفسيرات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وغيرها من الكتب التي طبعت نسخها بالملايين ووزعت بسعر بخس وأحيانا بالمجان، حتى لا يكاد يخلو بيت في قرية أو نجع في شمال أو جنوب مصر من كتاب من هذه الكتب.

 

إن دعوة تجديد الخطاب الديني في حاجة إلى إرادة تدفع إلى تأهيل البيئات الحاضنة للخطاب التقليدي والممثلة في الأزهر مدارسه ومعاهده وجامعاته ومؤسساته ولجانه وكذلك وزارة الأوقاف ومؤسساتها، وكذلك البيئات الأخرى الشريكة في تشكيل العقل الجمعي للأمة المصرية، كوزارة التعليم التي لا تمتلك أي خطط واضحة لبناء منظومة تعليمية في المرحلتين الجامعية وما قبل الجامعية، تستهدف تنمية الوعي وتحترم التفكير وتمكن الإنسان ليكون شريكا في التحرر والتطهر ومواجهة التقليد والخرافة. أيضا مما يؤسف له أن وزارة الثقافة لم تملك خطة أو منظومة أو مشروعا ثقافيا يستهدف تنوير المواطن والنأي به من عباءات التطرف والعنف والإرهاب، هذه العباءات التي هي في الأصل قائمة على التقليد.

 

إرادة التجديد هي وحدها القادرة على تحقيق دعوة التجديد الديني، فمتى توفرت ستجد من يخطط ويسعى وينفذ، لكن مما يؤسف له أن هذه الإرادة غائبة، وكل ما يحدث هو مجرد دعوة من قبيل خطابات إخلاء طرف من المسؤولية، يلقيها هذا المسؤول أو ذلك تفاديا للمساءلة.

 

 

 

المصدر: العرب اللندنية

الكاتب: محمد الحمامصي

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية