ذكرى هجمات 11 سبتمبر ومؤشرات على انكسار الجهاديين

13 أيلول 2017

مرور 16 عاما على ذكرى هجمات 11 سبتمبر 2001 تكفي للتقييم وأخذ العبرة، وتجعل العالم يقرأ بهدوء وتروّ أبعاد وملابسات تلك الأحداث التي تعدّ مفصلا أساسيا في التاريخ الحديث من حيث تعامل القوى العظمى مع الدول العربية والإسلامية التي وجدت نفسها بدورها، مطالبة بإعادة النظر في سياساتها الداخلية والخارجية. وكل التطورات التي طرأت تضعنا أمام حقيقة مفادها أن تنظيم داعش هو الآخر، مآله إلى الاندثار والتشظي مثل سلفه القاعدة الذي عاد إلى حجمه المحتقر والمنبوذ محليا وإقليميا ودوليا بعد أن ساهمت عوامل عديدة في نفخه والتهويل من دوره الذي بدأ يتلاشى بانتهاء أسباب تغوّله، ومبررات وجوده.

 

إرهابيو القاعدة يسبقون إرهابيي داعش نحو الاندثار

 

قبل ستة عشر عاما ضرب تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن قلب الولايات المتحدة الأميركية، في أوسع وأخطر عملية إرهابية في التاريخ المعاصر، مخلفا المئات من القتلى والجرحى وعددا كبيرا من الخسائر. أحصى الأميركيون خسائرهم بعد الصدمة، لكن الخسارة الأكبر كانت سمعة أميركا.

 

كانت تلك العملية بداية التمدد العالمي للفكر الجهادي، فقد أراد تنظيم القاعدة أن يخرج من أفغانستان ليستهدف أميركا، بعد عملية حسابية خاسرة. اعتقد التنظيم أن المجاهدين الأفغان هم الذين هزموا الإمبراطورية السوفييتية وكانوا وراء انهيارها، ولم يلق حسابا للدعم الأميركي والغربي في تلك الحرب، ومعركة الاستنزاف التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية، والمشكلات الداخلية في الحزب الشيوعي السوفييتي، والأزمة البنيوية للفكر الشيوعي في حد ذاته.

 

وانطلاقا من تلك القناعة الكاذبة ـ التي ساهم في ترسيخها الإعلام ذو الطابع الإسلامي في العالم العربي ـ خطط التنظيم لضرب أميركا، ليكون ذلك بداية انتشار الفكر الجهادي عبر العالم ومنطلقا لإنشاء الدولة الإسلامية المزعومة.

 

وقد أدت تلك العملية إلى حالة من الفوضى في مختلف أرجاء العالم، بما فيه المنطقة العربية والعالم الإسلامي. فقد تم غزو أفغانستان لطرد تنظيم القاعدة من المناطق التي يتحصن بها، وتم غزو العراق وإسقاط نظامه، مما نشأ عنه انتشار التنظيمات الجهادية بمختلف تفرعاتها.

 

وفي ظل حالة الفوضى تلك، اعتقد الجهاديون أن الظروف أصبحت مناسبة للتمدد وتحقيق أهدافهم، وساهمت العمليات الإرهابية التي حصلت في العديد من المناطق والبلدان في زرع وهم الانتصار لدى التيار الجهادي.

 

ودفع هذا كله تنظيم بن لادن إلى الشعور بنوع من الزهو خلال الأعوام الأولى التي تلت ما سماه إعلام التنظيم “غزوة مانهاتن”، وهي الفترة التي نجح فيها التنظيم في إحداث اختراق إعلامي واسع عبر شبكة الجزيرة القطرية التي كانت تبث الأشرطة المصورة للتنظيم، الذي بدأ يشعر بأنه أصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل الرأي العام العربي والإسلامي.

 

أتباع تنظيم القاعدة أدركوا أن الضربة الموجهة إلى أميركا، كانت كبيرة فعلا، ولكن الضربة التي تلقاها التنظيم كانت الأكبر.

 

ولكن هذا الوهم سرعان ما أخذ يخبو تدريجياً بسبب اصطدام الفكرة الجهادية ذاتها بالحقائق الصعبة في الواقع على الأرض، فوجد العديد من منظري التنظيم أنفسهم أمام المأزق النظري الخطير الذي يضع الدين في مواجهة الدولة والمجتمع، ويعطي للإسلام بعدا حربيا على حساب البعد الإنساني التضامني، ويجعله في مواجهة العالم بأسره بحيث يورط المسلمين كافة في أزمات مع بقية شعوب العالم، ويسيء إلى حقيقة الإسلام في نفوس الناس.

 

كان من بين التحولات الكبرى التي حصلت داخل التنظيم، تلك المراجعات شبه الجذرية التي قام بها الطبيب المصري سيد إمام عبد العزيز، المعروف بالدكتور فضل، التي هزت كيان التنظيم من الداخل.

 

ذلك أن سيد إمام كان أبرز منظري التنظيم في الحقبة الماضية، وهو من وضع الأسس النظرية والأيديولوجية للفكر القتالي لدى التنظيم، وقام بتقعيد مفاهيم الولاء والبراء والتكفير ودولة الخلافة في نفوس أتباع القاعدة، وألف أوسع كتاب نظري حول الجهاد عنوانه “العمدة في إعداد العدة”، شكّل مرجعا أساسيا للقاعدة. وقد ألّف سيد إمام عدة مؤلفات يؤكد فيها تراجعه عن أفكاره السابقة، بل وينتقد فكر القاعدة، كان من بينها كتاب “التبرئة”.

 

منظرو التنظيم الإرهابي وجدوا أنفسهم أمام المأزق النظري الخطير الذي يضع الدين في مواجهة الدولة والمجتمع.

 

لم يكن من السهل بالنسبة لتنظيم القاعدة تقبّل تلك الصدمة، فذلك يعني ببساطة نسف الأسس التي يرتكز عليها. ومع ما عرف به التنظيم من تكتم وسرية وقدرة على إخفاء نقاط ضعفه، فإنه لم يستطع الحفاظ على الصمت إزاء تلك المراجعات المزلزلة، وهو ما دفع أيمن الظواهري ـ الرجل الثاني في التنظيم آنذاك ـ إلى كتابة رد موسع على الكتاب الثاني لسيد إمام تحت عنوان “التعرية لكتاب التبرئة”.

 

محاولة الظواهري لم تكن مجرد رد فحسب، بل لقد كانت شهادة رسمية من أعلى هرم التنظيم بأنه تعرّض لضربة قوية على رأسه.

 

ما قد لا يعرفه الكثيرون، أن تنظيم القاعدة عاش انشقاقات داخلية عنيفة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر بين قيادييه، كما عاش انقساما حول الأولويات والاستراتيجيات المتبعة، وما إن كان ضروريا تنفيذ تلك الهجمات، خصوصا بعد غزو أفغانستان وطرد التنظيم من جبال تورا بورا وتشتيت مقاتليه. لقد أدرك أتباع التنظيم أن الضربة الموجهة إلى الولايات المتحدة الأميركية، كانت كبيرة فعلا، ولكن الضربة التي تلقاها التنظيم كانت الأكبر، وكانت بداية اندحاره.

 

صبّت أزمات القاعدة في رصيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي استفاد من تراجع التنظيم وتصدّعاته الداخلية. ولكن تنظيم داعش، الذي حاول أن يكون بمثابة البؤرة التي يتجمع حولها الجهاديون كرمز أخير للعمل الجهادي العالمي، لم يستطع مقاومة العوامل الهادمة لأي مشروع تخريبي في تاريخ الإنسانية. ولذلك بات واضحا اليوم أن القضاء الوشيك على هذه البؤرة المركزية سوف يكون نهاية أخيرة للفكرة الجهادية ذاتها، إذ كما بدأت مع تنظيم القاعدة في أميركا ستنتهي مع تنظيم داعش في العراق وسوريا.

 

 

 

المصدر: العرب اللندنية

الكاتب: إدريس الكنبوري

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية