تحالف السلطتين الفقهية والسياسية وراء خسوف التيار الصوفي في إيران

09 كانون أول 2016

التصوف لم يتمكن من مقاومة كل الضغوط، فتقهقر أمام الضربات الموجعة التي وجهت إليه نتيجة تضافر جهود العلماء والدولة للقضاء عليه.

 

 يقول الباحث حيدر عبدمناف البياتي، في دراسته التي حملت عنوان “المشهد الصُّوفي والفلسفي في العهد الصَّفوي”، إن النزعة الصوفية منتشرة أيضا في وسط مجموعة من الفقهاء الشيعة.

 

البهائي العاملي (المتوفی سنة 1622) كان يمتلك حسا صوفيا وعرفانيا مرهفا، فقد جاءت في كتابه «الكشكول» مطالب كثيرة حول التصوف والعرفان بحيث استطاع أن يكتسب احترام جميع الطرق الصوفية ويثير اهتمامها حتی نسبته الكثير من الفرق والطرق إليها كالطريقة النوربخشية حيث اتهم بالانتماء إليها.

 

محمد تقي المجلسي (المتوفی سنة 1659م) تتلمذ علی يد الشيخ البهائي وكانت لديه ميول نحو الزهد والتقشف، ونقل أنه كان يمارس بعض طقوس الصوفية كالأربعينيات حتی عدّه بعض الصوفية منهم، كما كان لديه إيمان بالكشف والكرامات التي يمكن عدها من أهمّ خصائص الفكر الصوفي والعرفاني.

 

وكان محمد باقر المجلسي (المتوفی سنة 1699) و هو ابن المجلسي الآنف الذكر، من ألدّ أعداء الصوفية، فأنكر بشدة انتماء أبيه إلی التصوف وأرجع وجود مظاهر التصوف عند والده إلی تمسكه بروايات أهل البيت (ع) الحاثة علی الزهد والورع وجهاد النفس.

 

برّر المجلسي اختلاط والده بالصوفية وتقربه منهم بأنه كان يحاول في البدء هدايتهم إلی طريق الصواب فلما وجد أن جماعة منهم غير قابلين للهداية تبرأ منهم، بل وحتی كفرهم، وفي الحقيقة كان الكثير من الناس لا يثقون بالمجلسي الأول بسبب قوة التيار المناهض للتصوف إلی أن جاء ولده المجلسي الثاني وبرّأ والده من تهمة التصوف فعادت ثقة الناس به وتم الاعتماد علی كتبه وتداولها.

 

الملا محسن الفيض الكاشاني (المتوفی سنة 1678) من العلماء الأكثر جدلا في العهد الصفوي الذي تارة يظهر بمظهر الإخباري المتعبد، وأخری يبدو كصوفي زاهد، وثالثة يبرز كفاءته كفيلسوف متعمق. في الحقيقة إن الفيض قد تأثر بكل هذه المدارس الفكرية وحاول أن يوفق بينها، فهو لم يكن يستطيع أن يتجاهل التراث الفلسفي والعرفاني الذي ورثه من أستاذه ووالد زوجته الملا صدرا (المتوفی سنة 1640). كما لم يستطع أن يتنكر للروايات والأحاديث خاصة وهو تلميذ ماجد بن هاشم البحراني الذي كان يحمل فكراً إخبارياً.

 

أدّی سلوك القزلباش إلی تغير سياسة الملوك الصفويين، فقد أخذ الصفويون بالبحث عن الفقهاء، ذوي الميول المناهضة للتصوف، ليسلّموهم مقاليد المؤسسة الدينية بكاملها. فاستدعی الشاه طهماسب فقهاء من لبنان وبالتحديد من جبل عامل، وتمكن الفقهاء اللبنانيون من صياغة الحركة الفكرية في إيران وفقا للمقاييس الفقهية والتي منها معارضة التصوف والوقوف في وجهه، وفي الحقيقة لقد ظهر بين العلماء تياران مناهضان للتصوف:

 

الأول: التمييز بين التصوّف والعرفان: كان الملاّ صدرا أحد الممثلين الرئيسيين لهذا الاتجاه. كتب الملا صدرا كتابه الشهير «كسر أصنام الجاهلية» وهاجم فيه التصوف السوقي المصحوب بالبدع والأمور المخالفة للدين حسب تعبيره حيث قال «وجدت جماعة من العميان وطائفة من أهل السفه والخذلان ادعوا علم المعرفة ومشاهدة الحق الأول ومجاوزة المقامات عن الأحوال والوصول إلی المعبود والملازمة في عين الشهود ومعيانة الجمال الاحدي والفوز باللقاء السرمدي وحصول الفناء والبقاء، وأيم الله أنهم لا يعرفون شيئا من هذه المعاني إلا بالأسامي والمباني» وأرجع سبب هجومه هذا إلی جهلهم بالمعارف وعدم التزامهم بتعاليم الدين، وفي خاتمة كتابه اعتبر هدفه من كتابة الكتاب هو «التنبيه والإعلام لمن له ذوق سليم وقلب صحيح علی فساد الزمان وانحراف أكثر الناس عن جادة السلوك إلی طريق العلم والعرفان».

 

الثاني: الرفض المطلق للتصوف والعرفان: ظهر هذا التيار نتيجة ازدياد نفوذ الفقهاء وانتشار المد الإخباري. لم يميز هذا التيار، كالأول، بين العرفان والتصوف، أي بين السلوك الصحيح والخطأ، مما أدی إلی سريان الرفض من التصوف إلی العرفان، فظهر من يذم العرفان والعرفاء ومن يحذو حذوهم كالملا صدرا وغيره لمجرد تمسكهم بالعرفان ودفاعهم عنه حتی وصل الأمر إلی حد التكفير، ولم يقف الهجوم عند هذا الحد بل تجاوز إلی الفلسفة لوجود تقارب بين الفلسفة والعرفان خاصة بعد ما قام به الملا صدرا من الدمج بين نتائج البحث الفلسفي والعرفان النظري.

 

نتيجة هذين التيارين القويين المناهضين للتصوف انهالت الكتب والرسائل الرافضة للتصوف باللغتين العربية والفارسية مثل كتاب “النفحات الملكوتية” ليوسف البحراني، وكتاب “السهام المارقة من أغراض الزنادقة في الرد علي الصوفية” للمشهدي، وقد صاحب هذه الحملة دعم قوي من السلطة التي أعطت مكانة مرموقة للعلماء المناهضين للتصوف. كما شنت الدولة حملات إبادة ضد أتباع بعض الطرق كما حصل لأتباع الطريقة النقطوية.

 

لم يتمكن التصوف من مقاومة كل هذه الضغوط، فتقهقر أمام الضربات الموجعة التي وجهت إليه نتيجة تضافر جهود العلماء والدولة للقضاء عليه، حتی إذا جاء القرن السابع عشر كانت الكثير من المدن لا تجد فيها صوفيا واحدا، وتحولت الخانقاوات التي أخذ يصفر فيها الريح إلی معالم تذكر بما كانت تعج به من الأتباع الكثر وبما كانت تتمتع به من سطوة ونفوذ، حتی لقد تحدث ابن الكربلائي (مؤرخ صوفي) عن إحدی الزوايا في تلك الفترة وقال “إنه لا يوجد فيها أي درويش، لا في هذا المكان ولا في أي مكان آخر، وكانت الضربة القاضية علی يد محمد باقر المجلسي عندما صار شيخا للإسلام في أواخر العهد الصفوي، حيث استطاع توظيف نفوذه الواسع للقضاء علی ما تبقی من التصوف في إيران.

 

 

 

المصدر: العرب اللندنية

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية