الإسلام في أميركا.. ضرورة استحضار الأبعاد الثقافية للتلاقي المعاصر

05 كانون أول 2016

اليمين الأميركي يدين حتى ما كان بالأمس القريب يعتنقه ويدعو إليه حين يراه لدى المسلمين، فبعض مظاهر السلوك في العقيدة الإسلامية ليست غريبة عمّا تعتنقه طوائف مسيحية ويهودية، وهو ما يفسر أن هذا العداء له خلفيات أخرى، وفي هذا الصدد يشير باحثون أميركيون إلى أن التقارب ممكن بين الثقافتين الأميركية والإسلامية، بل هو ضروري لمصلحة الطرفين.

 

واشنطن – أقر باراك أوباما بعلاقته بالإسلام بشكل أكثر حرية، بعد انتخابه رئيسا منه قبل الانتخاب، بل إنه طوال الحملة الانتخابية قد بذل قصارى جهده للتمايز عن دين والده. فهو، على سبيل المثال، قد زار خلال عهدته الرئاسية، العديد من الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، إلا أنه لم يزر مسجدا قط.

 

وفي هذا الصدد، يقول الباحث بيتر سيكر، في دراسته التي حملت عنوان “الثقافة الأميركية والإسلام” إن الوقائع السياسية التي دفعت الرئيس باراك أوباما في هذا الاتجاه لم تتغير بعد الانتخاب، ومن شأنها أن تستمر بالتأثير على خياراته وخيارات غيره من المسؤولين المنتَخَبين، فأوباما منذ فوزه وإلى اليوم لم يقم بزيارة أي مسجد بعد!، ورغم ذلك فإن الأميركيين المسلمين قد اقترعوا لصالحه بغالبيتهم العظمى عام 2008، ولا يزالون إلى اليوم يؤيدونه، وإن خفَّ حماس هذا التأييد.

 

ويضيف سيكر في بحثه الذي تضمنه كتاب “المسلمون في أميركا.. الإندماج والدراسات والمهاجرون” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، أنه وفي أعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001، فإن المواجهات قد لحق بها النسيان، وإذ بالمحافظين الذين شنّوا الحملات الشعواء على الإفراط في الثقافة الأميركية في عقد التسعينات، يرفعون اليوم السلاح للدفاع عن فضائلها، وذلك ردا على ممارسات المسلمين وانتقاداتهم، وهم الذين كانوا، بادئ ذي بدء، ممتعضين من الإفراط عينه.

 

والمفارقات هنا أكثر من أن تحصى، ومن أبرزها أن المحافظين الذين أمضوا السنين في نقد الحركة النسوية، وأسقطوا حقوق النساء من اعتبارهم على أساس أنها مدخل لبرنامج إباحي، يصدحون اليوم بمهاجمة الإسلام لتخلفه في تحقيق المساواة بين الجنسين.

 

إن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الإسلام، وليست هناك جماعة إسلامية عالمية موحدة تواجهنا، مهما أسهب العديد من المسلمين في الحديث عن الأمة، إلا أنه من النفاق والإخفاق تجاهل الأساس الثقافي للمواجهة التي نعيشها اليوم.

 

والواقع أن صراعنا العنيف أحياناً مع المسلمين المتطرفين يقع على ساحة ثقافية، ويتابعه جمهور واسع من المسلمين المحافظين ثقافيا وغير المتطرفين، فهؤلاء لا يعنيهم فقط من يربح في هذه المواجهة، بل كذلك أسلوب الولايات المتحدة في خوض المعركة.

 

ويتوجب على الذين يتنكرون لهذا التفسير الثقافي للمعركة الدائرة أن ينظروا في دواعي لجوء غير المسلمين، بهذه الكثرة وبهذه السرعة، إلى إثارة موضوع المساواة بين الجنسين في المجتمعات الإسلامية (وإن أدرجوه في خانة حقوق الإنسان)، أو أن يتساءلوا عمّا يجعل العديد من المسلمين ينفرون من الموسيقى الشعبية والفن التصويري، أو لماذا يقف العالم الإسلامي موقفا عدائيا قطعيا إزاء مسألة المثلية الجنسية العلنية. فهذه مسائل ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى غير المسلمين كما للمسلمين.

 

النتائج المترتبة عن تجاهل الأبعاد الثقافية للتلاقي المعاصر بين الولايات المتحدة والإسلام عديدة وهامة. فمنها الفشل في إدراك وطأة ثقافتنا على العالم. والواقع أن هذه الوطأة الثقافية قد تضاهي في أهميتها كلا من الوطأتين الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الأميركية في أرجاء العالم. ورغم ذلك، وباستثناء دعاة استعمال ما يسمى بالقوة الناعمة، فإن القلة القليلة منَّا -على ما يبدو- تدرك هذا الأمر.

 

وهذا لا يعني أن وطأتنا الثقافية كلية الإيجابية، أو كلية السلبية. فكما اقترحت أعلاه، فإن الرغبات والطموحات الأميركية تتفاوت. وكما أن منتوجنا الثقافي الهائل يجذب البعض منّا، وينفّر البعض الآخر، فهو كذلك يجذب أو ينفّر العديدين في أنحاء الأرض.

 

ولا شك أن الكثير من ثقافتنا الشعبية تستجذب الغرائز الدنيا، ولا سيما منها التي تستهدف الذكور من الشباب في الداخل والخارج، إلا أن منتوجنا الثقافي، بين الحين والآخر، يتوجه إلى الأرقى في الطبيعة البشرية. والإصرار لدى النخب في الولايات المتحدة على إخراج الثقافة من حلبة الصراع، قد تسبب بنتيجة مؤسفة أخرى: فنحن قد حجبنا من وجهة نظرنا الفوارق الهامة بين الولايات المتحدة وأوروبا.

 

ومن المفارقة أن ذلك يكشف عن مدى كوننا الأفضل بالمقارنة مع أصدقائنا عبر المحيط في التطرق إلى الشجون الثقافية للمسلمين في أنحاء العالم. فالولايات المتحدة أولا هي أكثر تسامحاً وانفتاحا إزاء القادمين الجدد إليها من أي دولة أوروبية تقريباً.

 

ثانيا، ليست لدينا هنا في الولايات المتحدة العلمانية القطعية المدوية، والتي احتوت دور الدين في الحياة العامة في أوروبا، وتسببت بالتالي في تهميش العديد من المسلمين وتنفيرهم.

 

والمثال على ذلك يتبدّى من الضوضاء التي رافقت الرسوم الساخرة من الرسول محمد، والتي نشرت في صحيفة “ييلاندز بوستن” الدنماركية عام 2005. فعلى الخلاف من نظيراتها الأوروبية، فإن وسائل الإعلام الأميركية، على الغالب، امتنعت عن نشر هذه الرسوم. فعلى الرغم من فرديتنا القاسية والتنافسية، ومن الحماية التي يمنحها التعديل الدستوري الأول، فإن التعددية في الولايات المتحدة قد أرست على ما يبدو بعض عادات ضبط النفس، أما المسلمون في أوروبا، فهم يلقون بالمقابل دعاة حرية تعبير إطلاقيين يرفضون الإقرار بمشروعية شكواهم.

 

والنتيجة الأخيرة لتجاهل السياق الثقافي في تلاقينا مع الإسلام، كامنة في طمس الأبعاد المشتركة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث.

 

ولا شك أن القواسم المشتركة هي موضوع متكرر في اللقاءات الحوارية بين الأديان، يشير إليها رجال الدين المتحمسون للمسألة، أما خارج هذا الإطار، أي في الساحة العامة غير المغلقة، فاللهجة مختلفة.

 

وبالاستماع إلى المعلقين في هذه الساحة، يكاد المرء أن يغفل أن مشاركة النساء اليهوديات في صلاة الكنيسة إلى أمد قريب كانت من شرفة مخصصة لهن (وبعضهن لدى الطوائف الحسيدية مازلن كذلك منفصلات عن الرجال)، وأن الكاثوليك كانوا يمتنعون عن أكل اللحوم ويمارسون الصيام، وأن البروتستانت في كنائسهم الرئيسية كانوا يدينون لعب القمار وشرب الخمور، وأن الأميركيين، في معظمهم، التزموا بتعديل دستوري يحظر تصنيع المشروبات الكحولية وبيعها ونقلها.

 

ويختتم بيتر سيكر بحثه بقوله “أنا لا أدعو إلى حوار أديان يرفع القيم المشتركة دون الجرأة المطلوبة للتطرق إلى نقاط الاختلاف، ولا أقترح التركيز على بناء الصداقات في العالم الإسلامي، فالصداقات مرغوبة دوما، ولكنها لا يجوز أن تكون هدفنا الأول، بل هي في الشؤون الدولية غير مناسبة كهدف، بل أرى المطلوب هو أن يحدد الأميركيون نقاط التلاقي مع المسلمين، ليس فقط على أساس الخلفية أو التاريخ، بل كذلك على أساس المصلحة".

 

 

 

المصدر: العرب اللندنية

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية