الإسلاميون بين الدعوي والسياسي

02 تشرين ثاني 2016

يكثر الحديث والجدل هذه الأيام حول "فصل النشاط الدعوي عن النشاط السياسي" في أوساط الحركات الإسلامية وأنصارها والمهتمّين بها، وقد احتدم الجدل حول هذه المسألة بصورة واسعة بعد إعلان المفكر الإسلامي "راشد الغنوشي" زعيم "حركة النهضة" التونسية عن فصل النشاط الدعوي عن النشاط السياسي في صفوف حركته وتحويلها إلى حزب سياسي، في خطوة عمليّة شجاعة لتحقيق هذا الفصل!

 

وفي أعقاب هذه الخطوة من هذا الراشد (!؟) ظهرت مؤشرات بين صفوف عدد من الحركات الإسلامية الأخرى في الوطن العربي تشير إلى اعتزامها الإقدام على خطوة مماثلة!

 

وفي المقابل أعلنت حركات إسلامية أخرى تحفظها على الخطوة معتبرة إياها خطوة في الاتجاه الخطأ، بل اعتبرها بعضهم نكسة مؤسفة في مسيرة العمل الإسلامي، بحجة أنها خطوة تنطوي على اتهام العمل الإسلامي بالقصور، هذا العمل الذي ظل نصف قرن من الزمان أو يزيد يؤكد أن الإسلام دين شامل لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فكيف يأتي اليوم مفكر إسلامي له تاريخ عريق في العمل الإسلامي فيعمد إلى فصل الدعوي الذي هو ديني بطبيعته عن السياسي الدنيوي؟!!

 

وهذا بلا ريب سؤال كبير، وتحفظ في محله، فقد ظل الإسلاميون لأكثر من نصف قرن يقفون بقوة ضد العلمانية التي تفصل الديني عن الدنيوي، فما الذي حصل حتى باتوا اليوم يميلون إلى هذا التوجه الذي لا تخفى ظلاله العلمانية؟!! إنه دون ريب سؤال مبرر تماماً، وهو سؤال يضع الإسلاميين الداعين لهذا الفصل أمام تهمة كبيرة لطالما ظلوا ينكرونها!!

 

ومن هذا المنطلق نتوقع أن تحظى مسألة الفصل المثارة بنقاشات صاخبة، وأن تستمر زمناً طويلاً قبل أن ينتهي الإسلاميون إلى قناعة راسخة بالحل العلماني صراحة، ودون مواربة، كما يفعلون اليوم تحت ستار (فصل الدعوي عن السياسي) في صيغة مخاتلة يحسبون أنها تبرؤهم من تهمة التوجه نحو العلمانية أمام شريحة واسعة من الإسلاميين الأصوليين الذين مازالوا يرون في العلمانية عدواً للدين!

 

لكن، بالرغم مما قيل وما قد يقال، يكفي هذه الخطوة نحو "فصل الدعوي عن السياسي" أنها تعيد إلى ساحة الفكر الإسلامي جدالات قديمة لم تُحسَم حول العلمانية والإسلام!!

 

وأملنا كبير أن تسفر هذه الجدالات عن رؤية إسلامية جديدة تنهي استنزاف العمل الإسلامي وتضعه بجدارة في عملية البناء الذي تتطلع له الأمة، وتغير الصورة النمطية التي باتت تطبع صورة الإسلام نفسه - لا صورة العمل الإسلامي وحده - بأنه صانع للموت، ناشر للإرهاب، مجبول على كراهية الآخر!!

 

ومع اعتقادنا بأن "فصل الدعوي عن السياسي" خطوة متقدمة على الطريق الصحيح، ومع أسفنا أنها تأخرت نصف قرن من الزمان على أقل تقدير، فإننا نخشى أن لا تتم مناقشتها بالجدية التي تليق بها داخل الحركات الإسلامية، هذه الحركات التي لا تفتأ تردد قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) لكنها لا تملك الجرأة اللازمة على التغيير!!

 

 

 

د. أحمد محمد كنعان

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية