كيف أفسد الإخوان المسلمون ثورات الربيع العربي؟

21 تشرين أول 2016

في عالم السياسة، ليست الأعمال بالنيات، بل بحصيلة الأقوال والأفعال والنتائج. وعلى كل حال، فإن الله وحده هو العليم بالنوايا، وليس لنا معشر البشر إلا أن نحكم وفق ما يظهر ويتراءى لنا من مؤشرات يمكن ملاحظتها وقياسها وتقييمها، بعيدًا عن الانزلاق إلى الخوض في طبيعة النوايا ومدى حسنها أو خبثها، فذلك ليس بالأمر المهم على الإطلاق في نهاية المطاف في دنيانا، ولن ينفع المرء أن يدعي القداسة والطهر إذا كانت أفعاله تتقاطع على أرض الواقع مع الدروب التي تسلكها الشياطين.

 

قبل أن أتابع، عليّ أن أنوه بأن اتهامي لجماعة الإخوان على ذمة قضية إفساد الربيع العربي، لا يعني بتاتًا إعفاء بقية التيارات السياسية على اختلاف مشاربها من المسؤولية أو استبعادها من قفص الاتهام، فهي لا تقل عن الجماعة تورطًا وضلوعًا في الجرم، لكن التركيز على الإخوان يأتي انطلاقًا من أنهم يشكلون الجماعة السياسية الأكبر والأقدم والأهم على المستوى العربي، ومن أنهم قرروا أن يتصدروا لحمل مسؤولية القيادة السياسية، ومن أنهم يرفعون شعار الدين، ما يجعل منهم الجماعة الأخطر؛ لأن الدين يتأثر حتماً في أعين الناس، سلبًا أو إيجابًا، بممارسات وقرارات وخيارات من يدعون الحديث باسمه. وفي هذا السياق، قد يكون من المهم التذكير بأن الكثير من الشباب الذين جاهروا بإعلان إلحادهم بعد الربيع العربي يعزون كفرهم في جزء كبير منه إلى غضبهم العارم من السلوك المشبوه المخيب للأمل للتيارات الإسلامية، ومنها الإخوان بالطبع.

 

وحتى نفهم كيف أفسد الإخوان ثورات الربيع العربي علينا أن ننتبه ابتداءً إلى التناقض البنيوي العصي على التسوية الذي يقوم بين فكر جماعة الإخوان وبين فكرة الثورة. فالإخوان لا يخفون، بل يتباهون ويتغنون بسلميتهم المبدئية المطلقة، ويؤمنون إيمانًا راسخًا لا يتزعزع بالإصلاح التدريجي الهادئ البعيد عن العنف والصخب. وما أزال أتذكر تصريحًا لافتًا لواحد من قيادييهم في أحد البرامج التي قدمها الإعلامي «طوني خليفة»، أفاد فيه مفتخرًا أنه ليس هناك بين قادة الإخوان من يملك ولو مجرد مسدس، وقام «ضياء رشوان»، نقيب الصحفيين المصريين أيامها، الذي كان مشاركًا في البرنامج، بتأكيد صحة ذلك الزعم! للحق هو زعم ينسجم تمامًا مع معطيات الواقع، فقد تم أسر معظم قيادات جماعة الإخوان بعد الانقلاب العسكري بينما كانوا يغطون في النوم على أسرّتهم في بيوتهم، دون أن يطلقوا ولو رصاصة واحدة هم وحراسهم للدفاع عن أنفسهم أو لمحاولة الفرار!

 

ذلك التناقض الجوهري بين نهج الإخوان السلمي المتدرج المتجنب للصدام وبين فكر الثورة، التي تتمحور بدورها حول معاني النقض والتغيير الجذري والاقتلاع الكلي الشامل الذي قد لا يخلو من العنف للنظام القديم، يعني منطقياً عدم أهلية الإخوان من حيث المبدأ لتزعم صفوف الثوار وادعاء القدرة على قيادة ثورتهم. فكيف يمكن من الأساس لجماعة لا تؤمن بفكرة الثورة ولا تملك أدواتها أو تقدر على استخدام تلك الأدوات أن تتصدى لقيادة ثورة يُفترض أنها جاءت لاجتثاث النظام الفاسد المتوحش القائم على القوة والبطش من جذوره؟ إن تطفل الإخوان على ثورات الربيع العربي وتكالبهم على تولي قيادتها يشبه تنطع طبيب نفسي لم يمارس الجراحة يومًا وإصراره على الدخول إلى غرفة العمليات لإجراء عملية خطيرة في القلب لأحد المرضى، بعد أن صدّق أن حمله للقب الطبيب يجعله مؤهلًا لإجراء العملية وإنجاحها؛ لتكون النتيجة الحتمية القضاء على المريض وإجهاض أي أمل بإنقاذه!

 

ومن يتأمل في سلوك الإخوان منذ أن قامت ثورات الربيع العربي، ولنركز قليلًا هنا على الحالة المصرية، يدرك بوضوح أنهم ليسوا أهل ثورة أو تغيير جذري. فقد سكتوا على قيام الديكتاتور الفاسد المخلوع «مبارك» بتعيين رئيس جهاز مخابراته نائبًا عنه، بل هرولوا مع من هرول للتفاوض مع هذا الأخير، وأقصى طموحهم ومبلغ همهم أن يحظوا باعتراف النظام وأن ينالوا شرعية العمل والمزيد من التسهيلات للحركة. فأين هي الثورة في أن تعترف بشخص عيّنه الرئيس الذي يفترض أنك تقوم بثورة للتخلص منه ومن نظامه الفاسد وفي أن تسعى إلى التفاوض معه بما يكرس شرعيته؟

 

وبعد أن تنحى مبارك على مضض، خوفًا من أن يسقط نظامه كله، وقام بإسناد مهمة خلافته إلى ما يعرف بالمجلس العسكري، المتألف حصرًا من عسكريين صنعهم مبارك نفسه على عينه وتولى تربيتهم بما يضمن خضوعهم لنظامه الفاسد وارتباطهم العضوي به؛ لم يطرف للإخوان «الثوار» جفن، ولم يجدوا في ذلك أدنى ضير أو تناقض. بل هللوا لذلك الإنجاز الذي عدوه تاريخيا، وارتموا في أحضان المجلس العسكري العتيد يخططون معه حول كيفية إدارة شؤون البلاد فيما بعد الثورة المجيدة. التي نجحت في إسقاط الديكتاتور، ولكن قلبها لم يطاوعها فيما يبدو على المضي قدمًا لإسقاط الطغمة العسكرية التي تولت حراسة فساد ذلك الديكتاتور لعقود!

 

وبدلًا من أن يسعى الإخوان الذين صدعوا رؤوسنا بهتافات الثورة عندما وصلوا إلى السلطة إلى القصاص من قادة ذلك المجلس جزاءً عادلًا لهم على جرائمهم المتراكمة التي لا تعد ولا تحصى، وآخرها جريمة تسهيل قتل وسحل وجرح وأسر آلاف الثوار في 25 يناير، وهو ما كان يشكل واجبًا ثوريًا ودينيًا وأخلاقيًا لا بد منه، وجدناهم يقلدونهم النياشين والأوسمة تكريمًا لهم على جهودهم الجبارة في إخضاع البلاد لحكم قمعي فاسد لسنوات طوال، فنعم الثورة ونعم الثوار! وحتى بعد أن تم إسقاط حكم الإخوان الباهت على يد الجيش الذي رفضوا أو جبنوا أو تواطأوا أو تقاعسوا ــ ولا تهم الدوافع والمسميات والملابسات فالنتيجة واحدة ــ عن الثورة الجدية ضده، لم يتعظوا ولم يتطور وعيهم ولم تتحرك فيهم الحمية لتصحيح أخطائهم والقيام بثورة حقيقية ضد جلاديهم المخضرمين منذ أيام الهالك «عبد الناصر». فظل أداؤهم باهتًا واهيًا لا يعرف إلا لغة الشعارات البائسة التي لا تقدم أو تؤخر، حتى انتهى الأمر بهم بين قتيل أو أسير أو مطارد أو ثائر أثيري على صفحات التواصل الاجتماعي!

 

وإياكم ثم إياكم أن تقولوا إنه لم يكن بالإمكان أبدع مما كان، وأن الخيارات السياسية المشينة التي أقدم عليها الإخوان كان لا مفر منها في ظل المعطيات المتوافرة وتحت ضغط موازين القوى المختلة لغير صالحهم. إذ يمكن قبول مثل هذا المنطق الخائر من أي تيار، إلا التيار الذي يرفع شعار الإسلام. فمن يرفع هذا الشعار عليه ألا يعطي الدنية في دينه، والا تكون سياساته وتنازلاته على حساب ثوابت دينه. وما أكثر الثوابت الدينية التي داسها الإخوان في سبيل وصولهم للسلطة، ولو كانت سلطة حقيقية مؤثرة فلربما عذرناهم قليلًا، ولكنهم تنكروا لشعاراتهم الدينية في سبيل سلطة بائسة لا يمونون فيها على ملابسهم الداخلية!

 

إن من أكبر خطايا الإخوان في نظري، بالإضافة طبعًا إلى خطيئة استغلال الدين وتشويهه لتبرير تنازلاتهم وتناقضاتهم، أنهم لم يدركوا أن الأمور في الوطن العربي قد اختلفت كليةً ما قبل الربيع العربي وبعده. فالربيع العربي أماط الأقنعة عن الوجوه ووضع النقاط على الحروف بمنتهى الوضوح والتحديد. فنزع ورقة التوت عن الأنظمة الحاكمة وفضح وجهها الحقيقي البشع وكشفه دون رتوش أو محسنات، لتبدو مجرد عصابات هشة رجعية فاسدة معادية للشعوب وناهبة لثرواتها، تستمد وجودها وقوتها بشكل رئيس من العمالة للقوى الخارجية المهيمنة على العالم. ومن ثم؛ لم يعد من المقبول أو المغتفر لأي تيار سياسي، ومهما كانت الذريعة، التعامل مع تلك الأنظمة بنفس المقولات والمنهجيات التي كان يتم التعامل معها بها قبل الربيع العربي. لكن الإخوان يبدون وكأنهم لا يدركون ذلك، وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيهم! وبدلًا من أن ينتهزوا الحالة الثورية التي أوجدها الربيع العربي ويستبسلوا لإسقاط تلك الأنظمة الرثة التي لا رجاء منها ولا أمل في إصلاحها، ارتموا تحت أقدامها يعطونها قبلة الحياة ويغدقون عليها شرعية زائفة لا تستحقها، دون أن ينسوا بالطبع رمي شعار «الإسلام هو الحل» في أقرب حاوية للقمامة في طريقهم. فأي إسلام هذا الذي يمكن رفع شعاره وقد انعقد عزمهم على «حمل البشاكير» لأنظمة لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، بل تحترف فنون محاربته وتشويهه والتملص من تطبيق شرائعه. ومن يريد التحقق من درجة إيمان تلك الأنظمة وورعها وتقواها فليرجع إلى ما لحق بالمناهج الدينية والتاريخية مؤخرًا في الكثير من بلدان المسلمين من مسخ للدين ومفاهيمه على يديها!

 

نعم، يتحمل الإخوان قدرًا وافرًا من المسؤولية عن إفساد ثورات الربيع العربي، سواء جهلوا ذلك أو تجاهلوه، قصدوه أم لم يقصدوه. ففي المغرب مثلًا واصلوا الليل بالنهار؛ كي يصبحوا جزءا من النظام الحاكم، مع معرفتهم بأنهم سيكونون مجرد دمى بين يديه؛ لينالوا سخط أهل السماء والأرض واحتقارهم. وفي تونس مكنوا بتفريطهم المهين غلاة العلمانيين الكارهين للإسلام من فسدة نظام «ابن علي» من العودة إلى مواقع السلطة والنفوذ. وفي الأردن شاركوا في انتخابات نيابية قاطعوا مثلها لسنوات، في محاولة بائسة للمشاركة في مجلس هزيل يعلمون علم اليقين أنه لا يملك من أمره شيئا، وأنهم سيكونون فيه مجرد مماسح بالية تستخدم لتنظيف الفرمانات المجحفة قبل فرضها على الناس، كما حدث عندما تم فرض معاهدة وادي عربة مع الكيان الصهيوني، بالرغم من أنوفهم وهم يهشون الذباب في البرلمان!

مع الأسف الشديد، لا نملك فعل الكثير إزاء صفاقات أهل السياسة وصفقاتهم وانتهازيتهم، فالسياسة في عالمنا لعبة قذرة بلا قلب ولا دين ولا أخلاق، ومن يعمل بها غالبا لا بد وأن ينتهي أقذر منها. وليس من المستغرب إذا وجدنا السياسي يخلع ملابسه التحتية على الملأ إذا ما اقتضى الأمر، محاولًا فبركة بعض المبررات لذلك. ولكن ما يغيظ هو الكذب على الذات وعلى الناس والتحايل وتسمية الأمور بغير أسمائها، بل ومحاولة التلاعب بالدين لإيجاد مسوغات شرعية لها. إذ يمكن للمرء مثلًا أن يكون ضعيفًا، وأن يتجنب مواجهة الحقائق والإفصاح عنها خوفًا من عدو أقوى منه، ولكن عليه أن يقرّ عندها بجبنه، وأن لا يختلق المبررات الكاذبة، وبخاصة الدينية، لكي يخفي حقيقة صغاره وعجزه عن المواجهة. لذلك، فإن من الأشرف حتمًا للإسلاميين اعتزال السياسة تمامًا، والاعتراف بالعجز عن مجابهة الأنظمة المجرمة ومقارعتها، بدلًا من التورط في تشويه دينهم وتزييف وعي الناس وإضفاء الشرعية على تلك الأنظمة عبر الدوران في فلكها، مع إقحام الإسلام في الأمر. فالإسلام بريء تمامًا من الطغاة الفاسدين، وبريء قبل ذلك ممن يخنعون لهم ويمنحونهم الشرعية للبقاء، مهما كانت المبررات والمسميات!

 

 

 

الكاتب: خالد سليمان

المصدر: ساسة بوست

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية