البوركيني … الخطر على العلمانية

01 أيلول 2016

ما أن بدأ النقاشُ في فرنسا حول زي (البوركيني) حتى شغل هذا الموضوع مساحات واسعة في وسائط إعلامية إذ أعادَ اللغط الإعلامي إلى أذهاننا ما دار قبل سنوات من الجدل الساخن بشأن حمل الشارات والرموز الدينية داخل الأماكن العامة في فرنسا، ومن المعلوم أن فرنسا هي دولة علمانية ولم تصل إلى تقنين هذا المبدأ دستورياً إلا في عام 1905 أي بعد أزيد من مئة سنة على اندلاع الثورة الفرنسية التي وجهت ضربة كبيرة إلى السلطة الدينية المتمثلة برجال الدين المتحالفين مع الملوك.

 

العلمانية في أبسط تعريفاتها هي نظام يتم فيه الفصلُ بين الأُمور الدينية والدنيوية كما تُمْنَعُ المؤسسات الدينية من التدخل في الشؤون السياسية، وليس هناك في مُجتمعات علمانية انتماء يفوق على الانتماء إلى قوانين الدولة حيثُ يستمدُ النظام العلماني شرعيتهُ من توفير بيئة مواتية يتلاحم فيها المواطنون باختلاف مذاهبهم وأعراقهم، ومن نافلة القول إنَّ العلمانية تبلورت كنظام سياسي جراء ما شهدته البلدان الاوروبية من الحروب الضارية بين أتباع المذاهب المختلفة، من هنا جاءت العلمانية كصيغة جديدة لمُعالجة الاصطدام الديني. طبعا قد توجد الاختلافات الطفيفة بين أشكال من العلمانية لكن النُقطة التي تلتقي فيها الأنظمة العلمانية تتمثل في إقصاء المظاهر الدينية عن المؤسسات الحكومية، ونحن نقول ذلك نعرف أن معظم الدول الأُوروبية لم توافق على حذف الإشارة إلى الديانة المسيحية في دستور الاتحاد الأوروبي، بمعنى أنَّ هذه البلدان لم تُنكر خلفيتها الدينية، ونَحنُ بصدد الحديث عن الدولة العلمانية وقدرتها على استيعاب التنوع يفرضُ سؤال نفسهُ هل يحقُ للدولة أنْ تتدخلَ في شؤون الفرد وتُحدد له ما يندرج ضمن خصوصيات شخصية بِحجة حماية الطابع العلماني والحفاظ على حيادية الفضاء العام؟

 

ألا تقع الدولة العلمانية في مطب التناقض بين ما تدعيه من الإيمان بالتعددية واحترام الخصوصيات وما تُمارسه من سياسة تمييزية مع من يريد الالتزام بما يفرض عليه معتقده؟ مثلما حصل ذلك في قضية البوركيني إذ أصدرت بلديات عدة مدن فرنسية قراراً يحظر ارتداء هذا الزي، كما أيد رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس هذا القرار وذلك يأتي في سياق تصاعد حدة المواقف ضد كل ما يوحي إلى الانتماء الإسلامي. من هنا تؤول دوائر رسمية في فرنسا الأردية من منظور أيديولوجي، أي تضع هذه السلوكيات الفردية ضمن إطار تفشي ظاهرة التَطُرف وتنامي الهجمات الإرهابية، وهذا يخلق مزيدا من الفرص لانتشار التطرف كما أن هذا الموقف من الحكومة الفرنسية يكشف أنَّ مشروع مُحاربة الأفكار المُتطرفة يقارب عدوى الإرهاب على المستوى السطحي الأكثر من ذلك أن مثل هذه الأساليب تهدد وحدة المجتمع الفرنسي وتؤدي إلى إحداث الشروخ في النسيج الاجتماعي، وبذلك تفقد فرنسا ميزة الانفتاح على هويات متنوعة في إطار هويتها الوطنية وهذا ما تريده التنظيمات والجماعات المتطرفة.

 

وما يشهده المُجتمع الفرنسي من النقاش الحاد بشأن ممارسة السلوكيات التي تنمُ عن الانتماء الديني يأخذُنا إلى السؤال عن رهانات قبول التعددية في عالم كان من المُفترض أن تتقارب فيه الثقافات بفعل تكاثر قنوات التواصل التي تعبرُ الحدود بين الكيانات لكن يتبدى للمراقب بأن حالة التخوف من الآخر وانبعاث الهويات الفرعية آخذة في الإزدياد ليس فقط في المجتمعات النامية بل داخل المجتمعات التي قطعت أشواطاً كبيرة على طريق التقدم السياسي والحضاري توجدُ أسباب كثيرة وراء فشل التواصل الحضاري تأتي في مقدمتها ظاهرة التطرف الديني ومن ثُمَّ إعلان الحرب على الإرهاب وما تلاها من انتشار بؤر التوتر على المستوى العالمي بحيث لم تعُدْ هناك بُقعة بمنأى من خطر التطرف، ناهيك عن إهمال للبعد الفكري في الحرب على الإرهاب، مع أن التطرف يتولد كفكرة تُسَوغ الأعمال العدوانية، لذلك تستفحلُ حالة الكراهية المُتبادلة وتخفق المؤتمرات التي تُعقد من أجل التقارب بين الأديان والمذاهب لأنَّ الشعارات المًسوقة حول أهمية حرية التعبير وضرورة الخروج من نفق الأفكار المُتَعَصبة لا تُؤازرها إرادة سياسية فعالة، بل لا يتورع بعض السياسيين عن تغذية حالة الاحتقان العرقي أو الديني لأغراض آنية وهذا ما تعمل عليه التيارات اليمينية في المُجتمعات الغربية كما تتبع الأحزاب الدينية في مُجتمعاتنا المنهج نفسه إذ تجِدُ في الآخرِ عدوا يهدد العقيدة لا بُد من مُحاربته، لذلك علينا أن لا نستغربُ استقطاب قضية البوركيني للرأي العام الفرنسي.

 

ويشي تعاطي صناع القرار في هذا البلد بأنهم يرون في الإسلام خطراً على هوية الدولة إذ سبق لبعض المثقفين أن روجوا لفكرة الخطر الاسلامي ومنهم منْ توقع أنَّ أتباع هذه الديانة سيهيمنون على مفاصل الدولة الفرنسية، ولكي نكون مُنصفين ثمة مفكرون يقفون بوجه هذه الأفكار المُوتورة ويتعاملون مع المُعَضلات من مستوى أعمق ويخافون من ضياع تراثهم الإنساني المُستنير والانسياق وراء رياح التطرف والتطرف المُضاد، ما أثارته قضية البوركيني لا يتعلق فقط بحرية الملبس بل وراء هذا الموضوع غابة من الإشكاليات والتعقيدات وهي وليدة المناخ المشحون بالتوتر على المستوى العالمي، إذا اعتبرنا الزي جملة ثقافية على حد تعبير عبدالله الغذامي فيمكن لك تفسير رفض بلديات بعض المدن الفرنسية للبوركيني ليس إلا محاولة للتنوع الثقافي الذي قد يتمظهر في اختلاف الملبس والزي، هنا لا بُدَّ أن يتفهم أفرادُ الجالية الإسلامية ما يمرُ به المجتمع الفرنسي من انتشار حالة التوجس من كل ما يُعَبرُ عن ارتباطات دينية في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف كل قطاعات المجتمع ولا تستثني دور العبادة، أن تخفيف حالة التوتر وحماية السلام الاجتماعي يُحتمُ على الجميع تجنب الإساءة إلى الأديان والابتعاد عن التطاول على رموز مقدسة تحت يافطة حرية الرأي. قضية البوركيني لا تنتهي برفع قرار الحظر لهذا الزي كون القضية جزءًا من إشكالية لها أبعاد حضارية، يستدعي حلها تنشيط قنوات التواصل وفتح منافذ جديدة للتفاهم بين مكونات المجتمع كما يجب على السلطات الفرنسية أن تستفيدَ من تجارب دول أوروبية أخرى أو كندا لاحتواء التعددية المتبدية في استخدام الرموز والشارات والأزياء المُعبرة عن الانتماء الديني.

 

 

 

الكاتب: كه يلان محمد كاتب عراقي

المصدر: القدس العربي

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية