هذا هو إرثنا المشترك

08 حزيران 2016

مفارقتان برزتا في محاضرة المستعرب الإسباني خوسيه ميغيل بويرتا فليشيث التي قدّمها في "منتدى الفكر العربي" في عمّان، أمس، بعنوان "موسوعة مكتبة الأندلس وإنتاج الاستعراب الغرناطي والإسباني الجديد في الدراسات الأندلسية"؛ الأولى تتمثّل بأن الجهد البحثي الوحيد الذي يحيط بكامل الكتّاب الأندلسيين الذين وصلتنا آثارهم غداً موثقّاً باللغة الإسبانية، ولا عمل يوازيه بلغتنا العربية.

 

تتصل المفارقة الثانية بالرؤية التي تؤطّر عمل بويرتا فليشيث، وعشرات من المستعربين الإسبان، وتكمن في محاولة فهم جزء مؤثر في حضارتهم، في حقبة مديدة من تاريخ بلادهم حكمهم فيها العرب المسلمون، من أجل فهم لحظتهم الراهنة بذهنية منفتحة على جذورهم الثقافية المتعددة، مقابل ردود فعل وتعبيرات جمهور محاضرته التي غلب عليها الحنين إلى "أمجاد" و"بطولات" المسلمين كما أسموها، وبعضها أضمر نزوعاً للتفوق والاستعلاء على الآخر.

 

تجاهل حاضرون كثر حقيقة أوردها المُحاضر، أكثر من مرة، تقول بأن أصول أدباء وعلماء الأندلس هي مزيج من منابت عربية وبربرية وقوطية وغيرها، وليست عربية خالصة كما يتصوّر البعض، ناهيك عن اختلاط هذه المكونات؛ ثقافةً ونسباً لتشكّل تراثاً مشتركاً يجمع العرب والإسبان.

 

التراث المشترك كان وراء تسمية المركز البحثي الذي أصدر "موسوعة الأندلس" بـ"مؤسسة ابن طفيل"، ولذلك قصة أوردها أستاذ تاريخ الفن العربي والإسلامي في جامعة غرناطة، تعود إلى رغبة بتحقيق حلْم غارثيا لوركا الشاعر الإسباني الذي اهتم بشكل خاص بصاحب "حي بن يقظان" وأراد أن يخلّده ببناء زاوية وضريح له في مسقط رأس العالم والأديب الأندلسي؛ وهي بلدة "دوبيا" (زوبيا باللفظ العربي)، لكن اغتيال صاحب "عرس الدم" حال دون بلوغ غايته.

 

أعاد المستعرب الإسباني صاحب دراسة "تاريخ الفكر الجمالي العربي الأندلسي والجمالية العربية الكلاسيكية" التذكير بأن لوركا كتب قصيدة في حزيران 1919 جاء فيها "كأنني عمر"، متقمصاً شخصية الشاعر عمر الخيّام، ليعود في شهر أيلول/سبتمبر من العام نفسه لكتابة مجموعة مقالات حول صاحب الرباعيات، ووقّعها باسم "أبو عبد الله"، في إشارة منه لآخر حكّام الأندلس الذي كان شاعراً أيضاً.

 

"موسوعة مكتبة الأندلس"، التي استغرقَ العمل في إعدادها وتحريرها عشرة أعوام (2003- 2013)، وصدرت عن "مؤسسة ابن طفيل للدراسات العربية" في مدينة المرية الإسبانية، "تأتي ضمن مشروع لاستعادة الوعي بالمفهوم الأندلسي كحضارة وتراث إسلامي عربي مشترك، الذي أصبح له حضوره في الجامعات والمعاهد والمدارس، وكذلك في الأنشطة الثقافية، وما يُعرف بـ"المسالك الأندلسية في السياحة الثقافية"، بحسب بويرتا فليشيث الذي كشف عن هدفه بتحويل هذه الموسوعة إلى مكتبة حقيقية متكاملة تضم مؤلفات الأندلسيين جميعها ليرتادها الزوّار.

 

وقد نوّه صاحب "نظرية الإدراك الحسّي في الفكر الأندلسي" بأن اللغة العربية أصبحت منذ عقد تقريباً تُدرَّس في الجامعات الإسبانية، بعد أن كان تدريسها مقتصراً على جامعة غرناطة، وأن هناك مشروعاً آخر يشتغل عليه مستعربون إسبان لعمل موسوعة موازية تضمّ جميع أعلام الأندلس من ملوك ونخب مجتمعية وأصحاب مهن ممن وردت أخبارهم في المراجع التاريخية، وستجهز في زمن قريب.

 

"موسوعة مكتبة الأندلس"، التي صدرت في سبعة مجلدات إضافة إلى مجلدين للفهارس والملحقات، وأدار العمل في تأليفها بويرتا فليشيث والمستعرب الإسباني خورخي ليرولا بمشاركة 150 مستعرباً من إسبانيا وغيرها، اطلعت على مصادر عربية وإسبانية وإنجليزية وفرنسية على وجه الخصوص، لكنها استندت إلى المراجع العربية فقط في ترجيح الروايات واعتماد الصحيح منها.

 

في استعراضه لمحتوى الموسوعة، تتضح سهولة التصنيف والتبويب في توثيق الإنتاج الفكري والأدبي المكتوب لـ2465 علماً أندلسياً، رجالاً ونساء، إذ يظهر التوزيع الجغرافي لكل واحد منهم باسم بلدته أو مدينته التي ولد فيها أو انتقل إليها، وكذلك التحقيب الزمني الذي يُبرز الفترة التي عاشوها؛ أيام الخلافة الأموية أو ملوك الطوائف أو المرابطون أو الموحدون، أو حكْم بني نصر.

 

يرد في العمل ذكر وتحليل 7990 مؤلَّفاً، سواء وصلت نصوصها كاملةً أم وصل جزء منها أم لم تصلنا إلا عناوينها، فضلاً عن الإشارة إلى المخطوطات والدراسات الحديثة عن مؤلفات الأندلسيين.

 

يقف بويرتا فليشيث عند ما أسماها "معضلة ابن عربي"، المولود في الأندلس والذي قضى فيها بدايات شبابه مؤلفاً جزءاً يسيراً من نتاجاته الغزيرة، التي وضعها أثناء إقامته المديدة في الشام حتى رحيله هناك، لكن شركاء البحث في الموسوعة خلصوا إلى اعتباره علماً أندلسياً، نظراً لحجم تأثيره في الثقافة الإسبانية، وقد استحوذت الكتابة عن سيرته ومؤلفاته قرابة مجلد كامل.

 

الحديث عن ابن عربي يوازيه تقدير خاص لابن رشد، الذي رأى فيه صاحب "البنية الطوباوية لقصر الحمراء" بأنه العنوان الأساسي لفكرة "الإرث المشترك" بين العرب والإسبان؛ إذ ساهم في تأسيس حجر الأساس للتنوير لدى سكّان شبه الجزيرة الإيبيرية، مستشهداً بصفحتين من كتابه "شرح جمهورية أفلاطون" التي يؤكد فيها "الفيلسوف الإسباني العربي"، بحسب وصف بويرتا فليشيثت، أن المرأة مؤهلة للحكْم والتفلسف لولا تهميشها وتكريسها لمهن أخرى.

 

إشارة أخرى للمرأة بدت في توضيحه لعدد النساء الأندلسيات المضمّنات في الموسوعة، وعن 47 كاتبة، مشيراً إلى أنّ حضورهن الاجتماعي والسياسي والثقافي كان أضعاف ذلك، وهو ما أثبتته دراسات عديدة صدرت حديثاً، من أهمها "سلطانات الحمراء"، لكن هذا لم يترجم في الكتابة والتأليف، أو ربما لم يصل الكثير من آثارهن بسبب فقدان حوالي 60 % من الموروث الأندلسي.

 

لم يكتف أستاذ تاريخ الفن بتقديم "موسوعة الأندلس"، بل استعرض أغلب الجهود والبحوث القائمة لتثبيت الأندلسية كجزء من الهوية الإسبانية، ولفت إلى انتقادات قاسية يتلقاها بعض الباحثين نتيجة إحداثهم صدمة معرفية لجمهورهم، ومنها كشْف جديد عن أن إحدى أهم القصائد المؤسسة للثقافة الإسبانية ما هي إلاّ نشيد أندلسي للفقيه الوضاح من مدينة بلنسيا، جرى ترجمتها ونسبها لمؤلف إسباني آخر.

 

الجرأة والشجاعة في مواجهة تراثه ولّدتها حاجة للمصالحة بين حضارتين؛ غربية وشرقية، كوّنتا حضارة بلاده، وهو ما نحتاجه اليوم كعرب في مراجعة صلاتنا المعقّدة مع ثقافات عدة مثل الإسبانية والأفريقية والفارسية وغيرها.

 

_________

 

قراءة الحمراء

وضَع خوسيه ميغيل بويرتا فليشيث (1959) كتاباً موسوعياً بعنوان "قراءة الحمراء" وهو ثمرة بحث في تاريخ الفن الإسلامي الأندلسي، سعى فيه إلى تحليل تفاصيل القصر وقراءتها سياسياً واجتماعياً وفنياً. يضم المجلد 900 صورة ورسومات ثلاثية الأبعاد و16 خريطة وقرصاً مدمجاً بست لغات يتضمن قراءات من الشعر الأندلسي. وإضافة إلى كتب أستاذ تاريخ الفن البحثية، ترجم فليشيث كتباً لغسان كنفاني وغادة السمان وصلاح نيازي إلى الإسبانية.

 

 

 

الكاتب: محمود منير

المصدر: العربي الجديد

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية