ألماني متأنق وضيف شرف على بلدان عربية في القرن الـ 19

30 أيار 2016

يعتبر كتاب "سميلاسو في إفريقيا" للنبيل الألماني بوكلَر موسكاو من أهم الوثائق التي تلخص تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في دول شمال إفريقيا -خاصة العربية منها- في القرن التاسع عشر، حيث أصبح صديقاً مقرباً لمحمد علي باشا ولشخصيات نافذة من الحاشية في تونس. الألمانية كريستنِه بفايل شيفتَر تُطلِع موقع قنطرة على حياة هيرمان فون بوكلر موسكاو.

 

كان الأمير بوكلر أحد أهم الإقطاعيين في ألمانيا في القرن التاسع عشر. ومع ذلك فإن حبه الشديد للحدائق والبستنة أودى به إلى حافة الإفلاس وأغرقه في الديون. وكان الملجأ الوحيد وقتها هو أعماله الأدبية ومنشوراته، التي لاقت رواجاً واسعاً لدى النخبة في ألمانيا خاصة تلك، التي تحدث بها عن رحلته إلى مصر في زمن محمد علي باشا، مما دعمه مادياً بعض الشيء.

 

وقد خطط في وقت سابق لرحلة إلى أميركا، لكنه فقد سفينته المتجهة إلى أميركا بسبب مباراة مبارزة في باريس انتصر فيها، وعوضاً عن ذلك اختار قضاء قرابة الأربع سنوات في الشرق الأوسط.

 

قد تكون هذه النبذة للنبيل هيرمان فون بوكلر موسكاو -الذي كان أسطورة عصره حينها-، مختلفة بعض الشيء عن قصص النبلاء الألمان الذين نسمع برواياتهم.

 

وُلد بوكلر عام 1758 في قلعة موسكاو الألمانية، وحارب في معركة الحرية والاستقلال ضد نابليون، كما عايش عدداً من الأعلام في عصره منهم غوتِه والأشقاء برينتانو. كانت شخصيته الفكاهية حديث الناس في برلين خاصة طقوسه المعروفة كالذهاب إلى برلين بعربة تجرها أربعة غزلان. وحظي النبيل بمكانة مميزة في المجتمع الألماني، وتوطد ذلك بعد زواجه من لوسي ابنة المستشار الأول في ألمانيا كارل أوغست فون هاردينبيرغ.

 

الحاجة أم الاختراع

 

ما جمع بين لوسي وبوكلر هو حبهما للبستنة وتزيين الحدائق، فقد قررا بعد زواجهما بناء أجمل حديقة في مقاطعة موسكاو، وهذا ما حدث فقد غدت حديقتهما أجمل حدائق أوروبا، ولكن بعدها غرق كل من لوسي وبوكلر في ديونهما فقررا الانفصال بشكل قانوني في العام 1826، ليتمكن بعدها بوكلر من الذهاب إلى انجلترا باحثاً عن زوجة ثرية تنقذه من الإفلاس الذي يتهدده. وبعد ثلاثة سنوات لاحظ البريطانيون أن بوكلر لم يفلح في إيجاد الزوجة التي جاء للبحث عنها.

 

أما لوسي فقد تخلصت من ضائقتها المالية عن طريق نشرها رسائل لزوجها السابق تحت اسم مستعار، وكانت هذه الرسائل بعنوان" رسائل ميت" تحمل تعليقات فكاهية ولاذعة للمجتمع البريطاني، ولاقت رواجاً كبيراً عند الألمان.

 

ولكن بعد سنوات عاودت الأزمة المالية لتضرب بكل من لوسي والنبيل، وكعادته عزم على الرحيل هذه المرة إلى شمال إفريقيا وبلاد شرقي المتوسط. ففي 1835 انتقل من باريس إلى مارسيليا ومنها استقل سفينة للجزائر. بعدها انتقل من تونس إلى مصر التي كانت تتبع للإمبراطورية العثمانية آنذاك، حيث كان تأثير السلطات المركزية في القسطنطينية في طريقه للزوال خاصة في بلدان شمال إفريقيا.

 

مصر تحت حكم محمد علي

 

حال وصوله استطاع النبيل الألماني أن يرتبط بعلاقات وثيقة مع الرؤساء والدبلوماسيين في المنطقة، وأخذت زيارته صفة "ضيف الدولة" رغم أنها كانت زيارة شخصية بحتة؛ في تونس مثلاً منح شرف زيارة قصر المحمدية الذي كان في طور البناء آنذاك.

 

وعند وصوله مصر، ربطته علاقات وثيقة مع بوغوس باي وزير الخارجية المصري في فترة حكم محمد علي باشا، وبعدها تعرف إلى الحاكم نفسه.

 

ووصف في كتاباته -التي كانت مجزأة وتظهر ميلاً لتفاصيل محددة-، الظروف الاجتماعية في كل من القاهرة والإسكندرية، كما يظهر فيها تأثره الكبير وإعجابه بمحمد علي باشا، خاصة في كتابه "مصر تحت حكم محمد علي باشا"، إذ رأى فيه مصر وهي تقف على مفترق طرق بين ثبات العصور الوسطى وحداثة المستقبل.

 

كما أغدق في وصف المشاهد الطبيعية في كتاباته؛ فقد كان يرى أن مشهد الفلاحين والحقول والمدارس التقنية لا يمكن فصله عن تاريخ الحضارة المصرية القديمة.

 

تابع الأمير رحلته من القاهرة عبر نهر النيل إلى المعابد المصرية القديمة الممتدة على طول النهر، ليصل أخيراً إلى سيناء في السودان وبعدها اضطر إلى العودة لبلده بعد وعكة صحية ألمت به.

 

خادمة بوكلر "محبوبة"

 

في رحلة العودة رافقته حاشية صغيرة نسبياً، وفتاة تدعى محبوبة كان قد اشتراها من سوق العبيد، وعمرها لا يتجاوز ال14 عاماً.

 

عرف بوكلر أنه ليس مقبولاً في المجتمع الألماني لأي حر أن يتملك عبداً، لذا قرر عتق محبوبة، القرار الذي لا يمكن لفتاة بعمرها فهمه، ولكنه كان لا يتردد بمعاقبتها بطريقة العبيد في كل مرة تعصيه فيها.

 

كانت محبوبة "مادة بحث" بالنسبة للنبيل أو بوصفه "النبيل الذي يعيش بمنأى عن الحضارة"، وقد اتخذ بوكلر محبوبة عشيقة له، ورافقته في رحلة العودة إلى ألمانيا.

 

توفيت محبوبة بعد وقت قصير من وصولها إلى ألمانيا، ودفنت في موسكاو ويحظى قبرها بالعناية حتى يومنا هذا.

 

وإثر عودة النبيل إلى ألمانيا في أواخر 1839، نشر مذكرات أسفاره، وهذا ما خفف من وطأة الضائقة المالية التي كان يعانيها في تلك الفترة، ولكن كعادته عاد ليعاني من جديد من الإفلاس مما اضطره إلى بيع قلعة موسكاو وحديقته التي أفنى عمره يهتم بها، وانتقل إلى قصر برانيتز الذي تعود ملكيته لعائلته.

 

وهناك أنشأ حديقة جديدة، تضم في وسطها بحيرة، وهرم عشبي من تصميمه دفن به..

 

 

 

كريستنِه بفايل شيفتَر

ترجمة: آ.ع

المصدر: موقع قنطرة

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية