التاريخ الإسلامي بين ورديّةِ القصاص وحقيقة الأحداث

29 نيسان 2016

لا شك أنه لا أحد من أبناء جيلي البسيط، ذلك الجيل المولود في تسعينيات القرن الماضي، خاصة أولئك الذين التحقوا فيما بعد بمدارس تتصف بأنها إسلامية، قد سمع بأحد حصص التاريخ أو ربما من داعية من هؤلاء ذوات الورع الوردي الزائد والصوت الخفيض الملائكي النغمة عن قصة محمد الفاتح -فاتح القسطنطينية- ذلك السلطان العثماني الشهير أو عن قصة المظفر سيف الدين قطز -قاهر التتار- السلطان المملوكي الشهير أو عن قصة الظاهر بيبرس -قاهر التتار والصليبين- السلطان المملوكي الشهير أيضاً، كيف أنهم قادوا أمة الإسلام للانتصارات، وكيف يجب علينا أن نكون مثلهم ونتخذهم قدوة لنا في تحقيق كل ما نتمنى في الحياة خاصة للأمة وللمسلمين.

 

لا شك أن أحدهم داعبته الأحلام يوماً أن يكون مثل أولئك فتقلد مسطرته وكأنها سيفاً وصار يتخيل أنه الفاتح أو المظفر أو الظاهر، غارقاً في أحلام مثالية عن أولئك القديسين المذكورين، نتخيلهم بملابسهم الحربية، ممشوقي القوام، مفتولي العضلات، في ملابسهم العسكرية الإسلامية كما في هذا العصر، يمتطون جياداً تغطي وجوهها شعرها، ويرفع كل منهم سيفاً لامعاً في ضوء الشمس، لا بأس بهالة من الضوء تحيط خوذته أو عمامته وكأنه قديساً يقود جيشًا من البشر.

 

السلطان محمد الفاتح

 

إذا كنت استمعت إلى التاريخ بهذه الطريقة وتخيلته بهذه الطريقة -مثلي طبعاً- فبكل تأكيد لا شك لدي في مقدار الصدمة الثقافية -التي وربما قادتك لصدمة عقدية- حين علمت مثلاً أن السلطان الفاتح هو واضع قانون قتل الإخوة الذي راح بسببه عشرات الأمراء العثمانيين الأبرياء، وحين علمت مثلاً أن المظفر قطز ربما اشترك في جريمة للتخلص من أحد قادة المماليك في صراع سياسي على السلطة بين أيبك وأقطاي، وحين علمت أن بيبرس السلطان العظيم هو نفسه قاتل قطز، بل دعني أخبرك بما هو أسوأ، لقد كانت الصدمة أكثر مما توقعت لأن هؤلاء الذين –وللأسف– قد رسخ القصاصون سالفو الذكر صورتهم في ذهنك قد أصبحوا ضمن تراثك الإسلامي، بل لن أبالغ إذا قلت جزءاً لا يتجزأ من عقيدتك، غير فاصل بين تاريخنا الإسلامي البشري المليء بالأحداث البشرية البحتة، وبين رسالة محمد بن عبد الله عليه الصلوات والسلام المنزهة عن كل نقص.

الخطورة تكمن هنا في عدة وجوه:

 

أولاً: إننا لا نأخذ تاريخنا بمحاسنه ومساوئه:

 

فكل ما يفعله هؤلاء البشر -الذين يرفعهم الكتاب لمرتبة قديس- محمود ومن مناقبهم الجليلة، على سبيل المثال كنت أقرأ في كتاب لأحد الكتاب ذكر في معرض حديثه عن المظفر سيف الدين قطز أنه مات اغتيالاً –ما يعني غدراً– على يد بعض المماليك أثناء عودته من حربه المظفرة على التتار، والتي خلص فيها العالم الإسلامي من شرور هؤلاء الهمج، وصدق أو لا تصدق نفس الكاتب –والله– في معرض حديثه عن الظاهر بيبرس في نفس الحادثة يصفه بأنه الأسد الهصور الذي لم يتردد لحظة في الانقضاض على قطز وطعنه، وكأن هذا من مآثره وصفاته الحميدة، وبأن هذا من مجمل شجاعته.

 

لا أدري كيف ارتأى الكاتب في نفس الموقف لنفس الأشخاص صفات الغدر والخيانة والجرأة والشجاعة، مادحاً كل الأشخاص في نفس اللوحة الدموية.

 

ما العيب في أن يقول مثلاً إن بيبرس أخطأ التقدير وصدق ربما أكاذيب عن قطز فاشترك في مؤامرة خبيثة لقتله، أو أن يقول إن تصرفات قطز التي ربما كانت خاطئة دفعت مماليكه للتخلص منه قبل أن يتخلص منهم؟!

 

أنا هنا لا أحلل الحدث وأضع كافة الاحتمالات التي سببت الحادثة، لكن لا أضع تناقضاً في نفس الحدث ونفس الشخصية، فأصفه مرة بالغدر والخيانة، ومرة بالشجاعة والجسارة.

 

أعلم أن الكل حسابه على الله، وأن خطأ ربما يقع فيه مئات البشر يوميًاً لا يطمس ألوف الأعمال الجليلة لهؤلاء –وهذا مقصدي طبعًا من المقال بصفة عامة– فهم في أول الأمر وآخره بشر، لكن مشكلتي مع الكاتب الذي وصف الموقف مرتين أحدهما بالغدر والأخرى بالشجاعة!

 

بل وصل الأمر بأحدهم مثل الدكتور راغب السرجاني في أحد مقالاته على موقعه أن يقول إن بيبرس لم يقتل قطز أصلاً –وهو حدث متفق عليه بالإجماع من كل المؤرخين المعاصرين للحدث– دون إبراز أي دليل عدا قوله سأوضح فيما بعد، وهو ما لم يتضح منذ أن كتب المقال إلى يومنا هذا، ولن يتضح.

 

ثانياً: الاجتزاء من الأحداث:

 

وربما تاريخ الشخصية البشرية كاملًا يجتزئ منه قطعة يُبنى عليها وجهة نظر في هذه الشخصية، بل والأسوأ أنه بالقدر الذي يجعلنا ربما نكره شخص لفعل بشري ربما فعله آخر نحبه، لكن لم يذكره القاص لحكمة ما في نفسه مبينًا لك أن تاريخنا الإسلامي البشري عبارة عن عالم من الأحلام الوردية بلا نقائص أو عيوب، فترتسم هذه الهالة حول الشخصيات –البشر أولاً وأخيراً– والذين يخطؤون ويصيبون ويعصون ويحسنون.

 

على سبيل المثال لا الحصر، موقف واحد جمع بين ثلاثة من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين، وأقصد هنا طبعاً العظمة التي يشوبها الأفعال البشرية، وليست تلك العظمة الإلهية التي فرضها علينا من يشوهون التاريخ بقصد الإحسان إليه وإلينا، وهم على ترتيب ظهورهم: المنصور محمد بن أبي عامر، والسلطان سليم الأول، ومحمد علي باشا.

 

أما الأول فيظهر اسمه دائماً مقترناً بمجد الأندلس ووصول جيش المسلمين في عهده إلى مناطق لم يصلها من قبل كشانت يعقوب في أقصى شمال الأندلس، وكيف أنه أذل وهزم كل جيوش الصليبيين، وكان شوكة في حلوق الكفار –ولا شك أن هذا من مناقبه– لكن هناك جزءًا مجتزأ من تاريخه ولا أدرى ما الهدف، لقد حبس المنصور خليفة المسلمين هشام بن الحكم في منزله حتى أنه لم يكن يدري أي شيء عن الحكم، ومنعه من مقابلة الناس، ومن ممارسة مهام وظيفته كخليفة للمسلمين في الأندلس من الحكم وإصدار القرار، بل كان وصياً عليه، وإذا أراد أن يخرج فإنه كان يجبره على التنكر في نقاب كالنساء حتى لا يعرفه أحد، وبسبب فعلة بن أبي عامر هذه –سامحه الله– دخلت الأندلس في دوامة ملوك الطوائف كتمهيد لسقوطها بعد ذلك بمدة وجيزة.

 

والثاني هو السلطان سليم الأول، السلطان العثماني التاسع وخليفة المسلمين الأول من آل عثمان، وأول من أطلق على نفسه لقب خادم الحرمين الشريفين –بعد أن كان يطلق على أميرها حاكم الحرمين الشريفين– وموحد شمل الأمة وجامع كلمتها، وهازم الصفويين الشيعة، ويكفي موته غازياً في سبيل الله، أما الجزء المجتزأ من قصته، والذي يشبه إلى حد ما قصة ابن أبي عامر أنه حارب الخلافة العباسية في جيشها المتمثل في جيش المماليك، وهزمهم في مرج دابق، واستولى على مصر في الريدانية، وأعدم سلطانها، وأجبر الخليفة العباسي على التنازل عن منصب الخلافة لشخصه مخالفًا حديث النبي ومتخذًا بالرأي القائل بأنه يجوز لغير القرشي أن يكون خليفة في حال عدم تواجد قرشي أهل للخلافة –وأنا بالمناسبة من أنصار هذا الرأي– على الرغم من أنه كان في إمكانه أن يفعل مثل بيبرس وابن أبي عامر، خليفة بلا سلطة وتحته ملك يحكم ويتحكم في كل شيء، غير أنه فضل أن يكون هو الخليفة لتجتمع لديه السلطة الملكية باعتباره ملكًا وسلطانًا، والسلطة الدينية باعتباره ظل الله في الأرض وخادم الحرمين.

 

أما الثالث فهو الغني عن التعريف محمد علي باشا أشهر متمرد في تاريخ الدولة العثمانية، وباني مصر الحديثة، والذي يتهمه كُتّاب التاريخ دومًا بأنه حارب الخلافة العثمانية، وأول من جرأ عليها أعداءها على الرغم من أن التمردات في الدولة العثمانية تكاد لا تحصى، ولعل أشهرها تمرد أتباع محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، والذي –ويا للعجب– أخمده محمد علي وابناه طوسون وإبراهيم بناءً على أوامر الخليفة!

 

لعلك لاحظت أن كل منهم يعتبر «حارب الخلافة» ولكن بطريقة مختلفة من أجل السلطة، سواء ملكية أو دينية، وربما لمصلحة الأمة، ولن أجزم أنها لمصلحة شخصية، لكن القاص يمكنه أن يتلاعب ويجتزئ ليظهر هذا ملاكًا أو قديسًا، وهذا شيطانًا محاربًا للدين.

 

ثالثاً: الكيل بمكيالين:

 

وهذه واحدة من الطوام الكبرى لدى كاتبي التاريخ ومحلليه في هذا العصر، فتجد الكاتب أو القاص في حادثتين –ربما متطابقتين– بين شخصين مختلفين، يبرر لأحدهما وينتقد الآخر، ولعل أبرز ما جاء في هذا الصدد حادثتان وقعتا في عصر واحد بطل أحدهما السلطان محمود الثاني خليفة المسلمين، والسلطان العثماني الشهير ووالي مصر الأشهر على الإطلاق محمد علي باشا.

 

أما الأخير فقام بعمل مذبحة عظيمة راح ضحيتها ما يقارب الـ 500 مملوك فيما يعرف بمذبحة القلعة، أو مذبحة المماليك للتخلص من صداع رهيب مؤلم للدولة المصرية التي ظلت تعاني فترة من الزمن من هجماتهم وتمرداتهم، ولكي يتسنى له حكم مصر بدون أي إزعاج داخلي ليتفرغ للصراعات الخارجية، ولأنهم كانوا عقبةً في سبيل مشروعه التنموي النهضوي التوسعي، وطبعًا ما أكتبه على حسب مقاييس عصره، وحسب ما كان يظن محمد علي نفسه.

 

أما الأول فقام بحادث مشابه حيث قام بمذبحة تخلص بها من الإنكشارية لأنهم كانوا عقبةً في سبيل تقدم الدولة، بل وسبب تخلفها وتأخرها، وعقبة في سبيل مشروعه العسكري والجيش النظامي الجديد، ولكثرة تمرداتهم –وصل بهم الحال أنهم كانوا يعزلون السلاطين ويقتلونهم وفق مصالحهم الشخصية البحتة– ولأنهم أصبحوا شوكةً في سبيل تقدم الدولة العثمانية.

 

في إحدى الرسالات التي تحمل عنوان «محمد علي، وجهة نظر عثمانية» للدكتور محمود السيد الدغيم وصف ما فعله محمد علي بأنه لا يمكن أن يكون من أفعال المسلمين، لأنه –وحسب تعبيره– قتل المماليك المسلمين السنة في مذبحة شنيعة، وهل تفرق المذبحة إذا كانت بين مسلمين سنة، أو مسلمين صوفية، أو مسلمين شيعة أو…

 

وعلى الحادثة المشابهة للتخلص من الإنكشارية يبرر للسلطان محمود الثاني فعله فيقول إنه فعل ذلك لأنهم تمادوا في إلحاق الضرر بالخلافة العثمانية، ولو كلف نفسه وقرأ في تاريخ مصر في هذه الفترة لعلم أن المماليك في هذه الفترة كان الكثير منهم عبارة عن عصابات تتعاون مع البدو لنهب مصر والمصريين، وكان كل همهم السلطة والمال وهو نفس ما كان هم الإنكشارية.

 

الغريب في الأمر فعلاً والمثير للحيرة أن فكرة التخلص من المماليك بهذه الطريقة لم تكن جديدة على محمد علي باشا فقط، كل ما قام به أنه فعل ما فعله الصدر الأعظم العثماني معهم قبل عدة سنوات، وبعد طرد الحملة الفرنسية مباشرة.

 

هذا بخلاف حملات الإسقاط السياسي للتاريخ والتي لا تنتهي أبداً، كإسقاط ثورة الحسين على الثورات العربية، أو إسقاط حدث ما في وقت من تاريخ المسلمين على أيامنا، هذا رغم اختلاف الظروف شكلاً وموضوعاً، بهدف خلق أمل زائف أو زرع مبدأ في قلوب الناس أن الله سينقذنا كما أنقذ هؤلاء، ونحن لا نعرف ماذا فعل هؤلاء أصلًا، وربما لم نفعل عشر ما فعلوه.

 

كل هذا يندرج أساساً تحت توظيف التاريخ إما لخدمة مصالح شخصية أو مصالح سياسية جماعية تهدف لبناء جيل في نظرهم معتز بتاريخ أجداده، ولكن على المدى البعيد يكون له خطورة دس السم في العسل، وموت جيل كامل بالبطيء لاصطدامه غير المتوقع بواقع خدعه فيه للأسف المجموعة سالفة الذكر، ولو عددت مقدار التناقضات في تاريخنا على هذا النحو فلن ينتهي مقالي، والعيب ليس في تاريخنا بالطبع، ولكن في طريقة تناول من يقص علينا التاريخ ظانًا بهذا أنه يسدي إلى الأجيال خدمة جليلة، وإني أتساءل أيهما أفضل لجيل من المسلمين أن يعرف أن أجداده كانوا بشرًا يصيبون ويخطئون، أم يؤمن أن أجداده كانوا ملائكة؟ فإذا ما أصطدم بالحقيقة عندما ينفتح على مصادر التاريخ الموثوقة ربما يصل به الأمر إلى الإلحاد، أو إنكار كل تاريخ أجداده المليء بالأمجاد.

 

الحل يكمن في وعي تاريخي لجيل كامل، يجب أن يفهم أن هذا التاريخ الإسلامي من صنع بشر مثلنا، وأن نأخذ تاريخنا بكل ما فيه محاسنه ومساوئه، لا ننكر جزءًا منه وكأن إثبات شيء منكر لهذه الشخصيات العظيمة هو طعن في القرآن الكريم مثلاً، أو في العقيدة ككل، أي مبدأ الفصل بين التاريخ الإسلامي وبين الإسلام نفسه، بين شخص يحمل الرسالة أو يعتنق العقيدة ويحارب بها ومن أجلها، وبين الرسالة والعقيدة ذاتها، فالشخص يخطئ ويصيب، بينما العقيدة نفسها سليمة منزهة، أي أنه يجب أن ينظر للتاريخ من خلال العقيدة، ولا ينظر للعقيدة من خلال التاريخ.

 

 

 

الكاتب: أحمد المغربي

المصدر: ساسة بوست

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية