نقد الفكر الديني في غزّة تلك الأيام

07 كانون أول 2016

عام 1968 صدر كتاب "نقد الفكر الديني" في بيروت. بعد ثماني سنوات وصل إلى غزة مهرّباً مع زوّار الصيف. ومن يد إلى يد، وبطريقة متكتّمة، وقع الكتابُ في يد الفتى الذي كنته أخيراً. مع تحذير شديد من طرف مالكه بالتحوّط وعدم إظهاره حتى لأفراد العائلة.

 

تسلّمت الكتاب كأنني حصلت على "سلاح" أو كنز. وما زلت أذكر غلافه المدرسي بعدما نُزع عنه الغلاف الحقيقي للتمويه.

 

قبلها كنت سمعت من زملاء في المخيم (يكتبون الأدب وينشرونه في الجرائد المقدسية) أشياء أشبه بالأساطير عن الكتاب لا عن المؤلف.

 

وبهذه الخلفية قرأته مدى الأسبوع الممنوح لي، ثم نسخت منه ما ملأ دفتراً بعشرين صفحة. ومن يدي إلى يد مالكه الأصلي إلى أيادٍ أخرى، حتى وقع الكتاب في قبضة مُتنفّج فأضاعه.

وأذكر أن مالكه بقيَ يتحسّر عليه لسنواتٍ بعدَها.

 

في ذلك الأوان، وأكتبُ كشاهد، ظل "نقد الفكر الديني" ينزل في شهر يناير/ كانون الثاني من كل عام ضمن قائمة الكتب الممنوعة، التي يقرّرها علينا ضابط صهيوني يعمل كرقيب عسكري.

 

المهم أنني أُصبت بالحمى أثناء وبعد مطالعته. ولا يزال أَثرٌ منه في إهابي حتى اللحظة.

لن أتكلم هنا عمّا أصبح معروفاً لكل مهتمّ، سأتكلّم فقط عن نوع من الكتب يؤثر في مصيرك، بالصدفة أو بغيرها، ومن هذا النوع كتابُ العظم.

 

فلقد نما إلى جماعة في غزة ـ وكانت آنذاك في مرحلة النشوء ـ تقرير عن الكتاب ومالكه. فما كان منهم إلا أن وضعوه تحت المراقبة، ثم دقّوا على بابه ذات ليلٍ ـ ملثمينَ ـ وشوّهوه بماء النار.

 

ولم يكتفوا: بعد شهر جاءت جماعة أُخرى فأجرت حوارات وجلسات مع الرجل وكبار عائلته، انتهت باستتابته على الملأ، وتسليمهم المكتبة ـ الغنية والشهية بمقاييس ذلك الزمن الفقير.

 

ومن المؤسي أن المخيّم كلّه نبذَه اجتماعياً، أما الرفاق ففعلوا الفعل عينه بعد وقت، بدعوى أنه خان مبادئه وركع.

 

كنت أمرّ عليه لأهديه كتاباً صدر أو نحو ذلك، عسى يخرج من الجو، دون طائل.

 

كان قبل الحادثة يمتلك عقلاً حيوياً من أبدع عقول جيلنا، إضافة إلى نشاطه الفيزيقي كصاحب انتماء صاف. وكنت أخرج من الزيارة فيشفّني الأسى على الحال السابق والمآل الحالي.

 

كتاب "نقد الفكر"، علامة لا تُنسى في تاريخ هذا الزميل وتاريخ مخيّمنا، وتاريخ جيلنا.

 

انطفأ الرجل المتوهج فما عاد يمتّ لماضيه أو يشبه ذاته. إلى أن عاد وقد جرت في النهر مياه كثيرة، لكنها العودة على استحياء.

 

ولعلي لا أجانب الحقيقة لو قلت إنه أول مثقف فلسطيني يقع تحت طائلة القتل بسبب كتاب.

 

أتلقّى الخبر عن صحة صادق جلال العظم، فأتمنى له الشفاء، وتعودني أشباحُ القصة.

 

 

 

الكاتب: باسم النبريص

المصدر: العربي الجديد

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية