حول “إسلام السوق” ونهاية سرديات “الإسلام السياسي” الكبرى!

10 تشرين أول 2016

تعد ترجمة كتاب “إسلام السوق“ للباحث في السوسيولوجيا الدينية، السويسري باتريك هايني، عملا علميا موفقا أقدم عليه مركز نماء للبحوث والدراسات، لأنه يمثل عينة من الدراسات العلمية المفتقدة عندنا في مجال الدراسات الإجتماعية، والتي حري بالمتخصصين في علم الاجتماع، من بني ملتنا اتباعها والاقتداء بها، أو حتى مضاهاتها ومجاوزتها،  بما يخدم أجندة البحث العلمي في وطننا العربي، المتعلق بالعلاقات المتمفصلة بين الديني والاجتماعي، عوض هذا الارتكان إلى لعب دور الإحصائي والمعلوماتي، الذي يفتقر لرؤية تحليلية-نقدية، تتحكم في رصد الظواهر المدروسة، وتستشرف آفاقها المستقبلية.

 

يتكون الكتاب من 256 صفحة، تتوزعها فصول أربع، هي أولاً: تجاوز اﻹسلاموية، وثانياً: تدين تحركه قوى السوق، وثالثاً: إسلام السوق. حركة إصلاح الذوات الدينية، رابعا وأخيراً: فاعلون لتحجيم الدولة؛ بالإضافة إلى مقدمتين لهايني، إحداهما أصلية31، وثانيتهما خصصها للترجمة العربية. 

 

كما نجد في نهاية الكتاب ملحقا تحت عنوان “أسلمة “المنجمنت”؛ في قيم التحقق الفردي عند الإسلاميين، عبارة عن دراسة مشتركة بين الراحل حسام تمام وباتريك هايني، علماً أن أول ما يصادفنا في الكتاب، بعد الإهداء، هو تقديم بقلم هبة رؤوف عزت، وضعت له عناوين متعددة: من طبائع الاستبداد إلى طبائع الاستهلاك – عن ابتلاع الحداثة لصيغ التمدن – وخطر الرأسمالية على التدين، وهو تقديم ننصح القارئ، خاصة غير المتخصص، ألا يطلع عليه قبل قراءة النص المترجم.

 

يتمحور الكتاب حول فكرة طريفة ومثيرة، تستحق منا النظر والمراجعة، وهي أن زمن السرديات الكبرى التي بشر بها “الإسلام السياسي” من دعوة لإحياء الخلافة، وتطبيق للشريعة، والجهاد في سبيل الله، وإقامة الدولة الإسلامية، والتمكين للبديل الحضاري، قد دخلت مرحلة أزمة، ولم تعد فعالة إلا في الفضاءات التي انهارت فيها الدولة.

 

لقد كتب المؤلف كتابه هذا، الذي بين أيدينا، قبل ظهور ما اصطلح على تسميته بـ ”الربيع العربي”، وما تلاه من أحداث من أهمها انهيار، أو شبه انهيار، للدولة المركزية، في عدد من الأقطار العربية، في العراق وسوريا واليمن وليبيا، حيث تعود بقوة سرديات “الإسلام الجهادي” الكبرى، ممثلة في شعارات “القاعدة” و”داعش”، مما يعطي لنبوءة الكتاب مصداقية ونجاعة.

 

إن موضوع الكتاب ليس الدين الإسلامي، وإنما أشكال وأنماط جديدة للتدين بهذا الدين، إنه عبارة عن  دراسة سوسويولوجية للممارسات الاجتماعية، ترمي رصد التغير الذي لحق عددا من المفاهيم والممارسات الدينية، مثل مفهوم الحشمة، والأعمال الخيرية، والأناشيد الدينية، ونماذج الدعوة الإسلامية المعاصرة، بحيث يلاحظ ظهور خطاب إسلامي جديد، عند عدد من المثقفين الإسلاميين، وعند الطبقات البورجوازية والوسطى، لا يعد بطوبيا أخيرة، و لا يؤمن بفكرة “البديل الحضاري”، ويبتعد قدر الإمكان عن التحزب والتسيس، وينخرط بقوة في فلسفة السوق، التي تركز على الفرد لا على الجماعة، ويسود معها منطق الانفتاح الثقافي.

 

يستعمل الكاتب مفهوم “إسلام السوق”، كمفهوم تحليلي يربط بين الأنماط الجديدة للتدين الإسلامي والأسس الفلسفية للسوق مثل “النزعة الفردانية، والانفتاح، وأولوية الشأن الخاص على العام المرتبط بالدولة، والشبكة، والعولمة، ونزعة الاستهلاك، والتخلي عن السرديات الإيديولوجية الكبرى الخ...

 

بمعنى أكثر تفصيلاً يعني هايني بـ ”إسلام السوق” هذا  الخليط بين النزعة الفردانية المتعولمة، وبين نزعة نبذ قداسة التنظيمات الشمولية وراء الظهر، وما يتضمنه ذلك من التخلي عن الشعارات الكبرى التي كانت تدعو إلى أن اﻹسلام هو الحل، أي أن “الإسلام” لم يعد رافعة للتعبئة الهوياتية بقدر ما هو حافز لانفتاح على العالم والمشاركة في اللحظة النيوليبرالية التي تعكس التخلي عن البنى السياسية الكبرى سواء كانت دولاً ما بعد كولونيالية أو حركات اجتماعية شمولية الطابع.

 

إن “إسلام السوق” تعبير عما يسميه الكاتب، في الفصل الأول، بـ ”ما بعد الإسلاموية” والتي حصر خصائصها في نزع القداسة عن الالتزام التنظيمي، والهوس المتزايد بـ ”أدبيات التنمية الذاتية، التي ليست إلا أدبيات أمريكية بديباجات إسلامية، وبروز توجهات ما بعد حداثية أو علمانية داخل التيارات الإسلامية ذات توجهات استهلاكية فردانية.

 

إن من أبرز مظاهر “ما بعد الإسلاموية” ما يسميه المؤلف بـ ”استهلاكية الحشمة الإسلامية”، الملتزمة بالقواعد العالمية للموضة، خاصة موضة الأزياء، التي ظهر معها الجيل الثالث من الحجاب الإسلامي، أو حجاب “الستريت وير” النابع من ثقافة الاستهلاك المنفتحة، والمتحلل من تعاليم “الإسلام السياسي” المتشددة.

 

تدين ما بعد الإسلاموية، إذن، تدين جديد، متنصل من السياسة، ومتبرزج اجتماعيا، أسهم في توسيع دائرته، بحسب مؤلفنا، شخصين، من المتعهدين الدينيين الجدد، هما عبد الله جمنستيار في جنوب شرق آسيا، وعمرو خالد في مصر والشرق الأوسط، الذين تتحدد خصائص دعوتهما في رفض التسيس، إن لم يكن بغضه وازدراؤه، ورفض الوعظ العقابي، واستعمال اللهجة المحلية بدل العربية الفصحى، وتعمد الظهور بالمظهر العصري والأنيق، واستغلال الوسائط الإعلامية الحديثة.

 

يتعلق الأمر بتدين تحركه قوى السوق، ويميل إلى تخفيف حدة الدرس الديني السلفي، ويتميز باستراتيجية انفتاحية تتضمن وضع الديني في فضاء السوق العالمي غير الديني، حيث تجتمع السلفية والهجرة البورجوازية وعالم الأعمال تحت سقف واحد ينضم فيه الحلم الأمريكي إلى الحلم العربي، ليصبحا حلماً واحداً!

 

“إسلام السوق” تدين مسلم جديد، يفتخر بكونه مسلماً، ويتباهى بنزعته البورجوازية، الفعالة اقتصادياً، وغير المنخرطة سياسياً، والمستثمرة لقيم الثروة والإنجاز، والمطورة لمخيال ديني يتسم بإزاحة الإدانة الأخلاقية عن مفهوم الربح. هذا التوجه يفتح المجال لما يمكن اعتباره “حركة إصلاح للذوات الدينية” تستهدف “نفث روح رأسمالية داخل الأمة” لجعلها أكثر تنافسية في ساحات الأمم..”.

 

إنه “لا هوت النجاح” الذي يعكس ترسيما أيديولوجيا لحركة أسلمة بورجوازية الطابع، ويدافع عن علاقات مريحة مع مفاهيم الثروة والنقود (..) ويستعيد، وبقوة، نموذج النبي التاجر ويستقى منه مخيال إسلام السوق؛ ويعد طارق السويدان، في نظر الكاتب، نموذج الداعية الذي يجسد هذه الرغبة في الجمع بين الدعوة وبين إصلاح الذات بالاعتماد على أدبيات التحقق الذاتي الأمريكية؛ من دون أن ينسى الدور الرائد، الذي لعبه في هذا الاتجاه، فتح الله غولن في تركيا.

 

يتميز “إسلام السوق” بأولوية البعد الفرداني، وبخطاب ديني مؤيد لفكرة “الحد الأدنى من الدولة”، فاتحا، بذلك، الباب لـ ”إسلام بالمشاريع” يؤسس ل”نيوليبرالية” تحدث بالتزامن؛ وبشكل مزدوج؛ مع الواقع الذي يجتازه الإسلام  السياسي حاليا، فهو يكرس من جهة حالة من البرجزة التي تلحق بالمنتمين إليها من خلال استلهام نموذج الثروة الفاضلة والخلاص عبر الأعمال الخيرية. ومن جهة ثانية يوفر لهؤلاء قاعدة أيديولوجية “لا تأبه كثيرا بالسياسة” لم تعد معها الدولة هي التحدي الأساس، وهو ما يكرس لمخيال طبقي يتوافق مع استرتيجية لتحقيق الثروة لا تتضمن مواجهة مع السلطة”.

 

هكذا يعتقد باتريك هايني أن الأمر يتعلق برؤية جديدة للعالم، يكتشف فيها الإسلاميون خصوصية تميزهم، وهي أن يلجوا عصر الحداثة من غير باب عصر الأنوار الفرنسية، ويعيدون صياغة مجالهم الديني في نسخة ليس فيها يوتوبيا، وتميل تدريجياً في اتجاه أمريكا المحافظة!

 

لا شك آن القارئ الكريم، قد لاحظ معنا، أن الكثير من الأفكار، التي تضمنها هذا الكتاب، تحتاج إلى مناقشة ومساءلة، وهو ما نوكله لنباهته وحسه النقدي، على أن نعود في مناسبة لاحقة، لفتح مجال للحوار مع أطروحته المركزية، بعدما توخينا قدراً كبيراً من الحياد والموضوعية في عرضها وتقديمها في هذه المقالة المتواضعة.

 

 

 

الكاتب: عبد النبي الحري

المصدر: إيوان 24

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية