رواية "2084 نهاية العالم"

17 أيلول 2016

بوعلام صنصال ... نوع آخر من الطغيان في الحكم على "الآخر"

 

 

في روايته الأخيرة "ألفين وأربعة وثمانون... نهاية العالم" يتنبأ الروائي الجزائري بوعلام صنصال بنهاية العالم عام 2084 على يد "متطرفين دينيين"، بعد تأسيس جمهورية إرهابية شمولية تسمى ”آبيستان” وعاصمتها ”قدس آباد”. الكاتبة اللبنانية المعروفة ايمان حميدان تنتقد في مراجعتها النقدية للرواية لموقع قنطرة سطحية نقد صنصال للاستبداد الديني وخلو الرواية من أي نقد للتاريخ الاستعماري للديمقراطيات الغربية ولسياساتها الداعمة لأنظمة الاستبداد العربية.

 

البلاد تدعى أبيستان، والمدينة اسمها قدس اباد، واللغة المختزلة المبسطة هي ابيلانغ، أما الرسول الذي يمثل الله على الارض فهو الطاغية آبي، وجكابول هو الكتاب المقدس، و يولاه هو الرب القدير على كل شيء. إنها رواية " 2084 ـ نهاية العالم" للكاتب الجزائري الفرنكوفوني بوعلام صنصال، الذي يصف فيها جواً جحيمياً يسيطر عليه دين مستبد يجرّد المجتمع من انسانيته ويمحو ماضيه.

 

في هذا العالم، فقدَ الناس ذاكرتهم، وما عادوا يتذكرون الماضي وأسئلته ولا حتى أحلامهم. تَمّ غسل أدمغتهم وباتوا مقتنعين أنّ الجنّة بانتظارهم. أما أفكارهم فصارت مبنية على حقيقة مفبركة حول" يولاه" وممثله آبي. فيما زادت أبيلانغ، اللغة الوطنية الوحيدة والمسيطرة من ارتهان الناس، بحيث اقتصر كلامهم على جمل مبسطة أخذوها من الكتاب المقدس. وبات كل ما يقولونه وما يقومون به يعكس خضوعهم وإيمانهم بالإله يولاه. اقتصرت حياتهم على عملين اثنين يقومون بهما دون عقاب، الا وهما الحج على طرقات يراقبها قبل رجال الأمن، والصلاة سبع مرات في اليوم.

 

رغم أن بوعلام صنصال قد استند في عمله الجديد الى رواية 1984 للكاتب البريطاني جورج اورويل إلا أن أجواء روايته بدت أكثر تفاؤلاً. عاطي، وهو اسم البطل الرئيسي في الرواية، رجل علم ومعرفة وفضول، يقرر الاستعانة بالماضي لفهم أسئلة الحاضر، خاصة فيما يتعلق بشرعية الطاغية المقدس. التقى عاطي في البداية بعالم آثار ومن خلال اكتشافات ذلك الباحث تأكد لبطل الرواية أن بإمكان الناس أن تعيش بسعادة دون أي استبداد ودون أي دين.

 

سطحية نقد الاستبداد الديني

 

يبدأ بطل الرواية حينئذٍ مع رفيقه كوا بمساءلة قوانين الطاعة وبرفع الغطاء عن السلطة المستبدة. لكن عاطي الذي هو صوت الكاتب، لا يذهب عميقاً في أسئلته. ولعل أكثر ما يشير الى تلك السطحية أن الكاتب في روايته وعبر بطله قام بانتقاد الاستبداد الديني متخذاً من المفاهيم الغربية كالديمقراطية وحرية التفكير مرجعية للسرد دون أي مقاربة نقدية لتلك المفاهيم التي تكيل بمكيالين، ودون مساءلة الديمقراطيات الغربية، التي تناقض نفسها حين تتعاطى أنظمتها مع شؤون العالم والشعوب.

 

ولا يرى القارئ في رواية صنصال أي نقد للتاريخ الاستعماري لتلك "الديمقراطيات" ولا لسياسات الغرب الحالية. كذلك لم يأخذ الروائي بعين الاعتبار أنظمة الاستبداد العربية، التي قمعت شعوبها باسم العلمانية والحداثة، والتي استغلت شعار القومية العربية والوطنية لخنق أي صوت مختلف ومعارض. تلك الانظمة شجعت وغذت باستبدادها الأصولية الدينية وقامت باستغلال الخوف من الوجود الاصولي للسيطرة بشكل أكبر على مصائر الناس وحيواتهم.

 

ورغم أن الكاتب قد شهد بنفسه وهو المقيم في الجزائر، كيف قامت السلطات الجزائرية مع أجهزتها السرية ببث الرعب بين المدنيين ونشر العنف لمنع الحزب الإسلامي من الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، إلا أن هذه الحقائق لا تهم الكاتب، كأن البلاد الإسلامية المُتخيلة والتي يقدمها في روايته آتية من لامكان، ولا أسباب لوجودها ولا جذور، رغم أن الأصولية الإسلامية اليوم تدفعنا إلى التطلع بجدية أكثر نحو الاقتصاد والسياسة العالميين. 

 

في" 2084 نهاية العالم" يعمد السرد ذو النبرة الأحادية الى التكرار الممل لإظهار مدى بشاعة "الاصولية"، بحيث يبدو أن الرواية تغازل إثارة الخوف والإسلاموفوبيا لدى الغرب أكثر مما تهتم بضحايا العنف الأصولي، الذي يجتاح العالم العربي نفسه. بهذا المعنى لا يختلف مضمون الرواية عما نشاهده في الميديا، إذ وسط صورة هذا العنف الكبير، تغيب الأسئلة الجدية حول كيفية ولادة داعش في العالم العربي، ومن قام بتمويل ولادتها ومن يمولها الآن، ومن يمدها بالأسلحة. بحيث يغدو العالم العربي بنظر العالم الغربي أنه هو هكذا بطبيعته وأن العنف والتطرف صفتان له.

 

رواية تغازل إثارة الخوف والإسلاموفوبيا في الغرب

 

لا يخفي صنصال في رواياته الفرنكوفونية السبع كرهه الواضح والمباشر للإسلام وللعالم العربي، إلا أن روايته الأخيرة 2084 هي الأكثر تعقيداً، ولنقل أكثر مواربة، ولا يستطيع القارئ أن يتجنب جو الرواية الأيديولوجي، إذ تُظهر الرواية منذ بدايتها وحتى النهاية، عالماً منقسماً إلى خيّرين وأشرار. أضعفت هذه الثنائية السطحية خيط السرد وقيمته الأدبية، لتغدو الرواية في نهاية الأمر سرداً مليئاً بأفكار جيدة، إلا أن تلك الأفكار مبنية على نوايا غير جيدة، مما يدعو إلى التساؤل فيما إذا كانت الجوائز التي حصدتها الرواية جوائز ايديولوجية غير أدبية هي الأخرى!

 

أظهر الكاتب الجزائري الفرانكوفوني وفي أكثر من مناسبة، رفضه للسياسات الجزائرية الداعمة للقومية العربية. ويأتي وصفه في الرواية للغة آبيلانغ مشابها لقوله واصفاً اللغة العربية أنها لغة ميتة. هذا يدعو إلى السؤال حول ما إذا كان هناك أي مكان لقارئ عربي في مخيلة صنصال الإبداعية! ثم ماذا عن الجزائريين الذين تصدّوا للأصولية كما تصدّى لها الكاتب، لكنهم يعشقون ويعيشون لغتهم العربية؟ هذا يدفعنا إلى طرح سؤال جديد ألا وهو: من هم قراء صنصال؟ ورغم أن الكثير من النقاد الفرنسيين لم يجدوا ما يميّز رواية 2084، يبقى أن القارئ الفرنسي هو هدف الكاتب الفرانكوفوني.

 

 تعزّز الأعمال الأدبية مثل رواية 2084 الفهم المتحيّز والخاطئ للإسلام، الذي لا يعترف بتجارب "الآخرين" وبمحاولاتهم إعادة النظر في مسائل عيشهم وتحدّي أنماط مجتمعاتهم وثقافتهم. إنها تجارب يعيشها "الآخرون" بأشكال مختلفة وبعيدة عن صورتهم النمطية السائدة في الغرب.

 

هذا الفهم الخاطئ لا يساهم في ايجاد أنماط تفكير تساهم في فهم كيفية مقاومة الناس للديكتاتوريات دينية كانت أم غير دينية، ومجابهتهمم لأي استبداد. لا بد من عمل كهذا أن يقلل من قيمة التنوع الحقيقي والتسامح، إذ أنه يحدّ من طرح الأسئلة ومن إعادة التفكير في ما هو صحيح وما هو خاطئ.

 

تغدو رواية صنصال والحال هذا نوعا آخر من الطغيان في حكمه على "الآخر".

 

 

 

الكاتبة اللبنانية إيمان حميدان

هذا النص كتب بداية باللغة الانكليزية، ترجمته كاتبته بتصرف الى العربية.

حقوق النشر: قنطرة 2016

2084: نهاية العالم بوعلام صنصال. (باريس، غاليمار 2015) 288 صفحة.

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية