"تاريخ الفلسفة الإسلامية" لكوربان: نظرة من خارج السياق المعتاد

25 أيار 2016

«لقد فتح كتاب هنري كوربان هذا، أمام الفكر الغربي، باباً واسعاً جديداً للثقافة الشرقية وكشف له كنوزاً غنية بالإنتاج الديني الفلسفي والتصوف الأصيل. لقد بذل الأستاذ المؤلف البروفسور هنري كوربان في هذا العمل الكبير، جهداً متواصلاً يدهش القارئ ويلزمه بالتقدير والإعجاب لأنه تجاوز فيه طاقة الفرد والأفراد. ذلك أن الأبحاث التي يتحدث عنها المؤلف كانت، في الكثير منها، مودعة في صدور العلماء الراسخين في العلم وفي أوراق الكتب المخطوطة. وقد تفرق العلماء وانتشروا في أقطار الشرق الإسلامي وتبعثرت الكتب في خزائن المكتبات الخاصة والعامة في مختلف أنحاء العالم. والمؤلف مع ذلك يحاول، بصبر وجلد متناهيين، سبر أغوار هذه الأبحاث واكتشاف جواهرها وترجمتها وتنسيقها وإخراجها وهذا عمل يتجاوز جهود كثير من الباحثين، وخدمة يقدمها المؤلف للثقافة العالمية تعلو الكثير من خدمات المؤسسين». بهذا الكلام قدم الإمام السيد موسى الصدر، ذات يوم، لترجمة عربية حُقّقت للجزء الأول من كتاب كان قد صدر للمرة الأولى في العام 1964 وأثار ضجة في فرنسا، وطن مؤلفه، اذ قدّم جديداً، حول موضوع كان، هو، غير جديد على المستشرقين منذ قرون: تاريخ الفلسفة الإسلامية. وكان الكتاب يحمل هذا العنوان بالتحديد وهو من تأليف العالم الفرنسي هنري كوربان، الذي كان قبل ذلك وضع كتابين أولهما عن ابن سينا والثاني عن ابن عربي، لكن عمله الأكبر، إضافة الى «تاريخ الفلسفة الإسلامية» سيكون عليه أن ينتظر العام 1974 قبل أن يظهر في شكله النهائي، ونعني به «في الإسلام الإيراني» الذي قدّم في أجزائه الأربعة موضوعاً كان نادراً ما دنا منه المستشرقون.

 

> الكتاب الذي نحن هنا في صدده هنا هو، اذاً، «تاريخ الفلسفة الإسلامية» الذي يتألف أصلاً من الجمع بين نصين طويلين كان أولهما («منذ الجذور الأولى حتى موت ابن رشد») ظهر مستقلاً في كتاب خاص، أما الثاني فكان كوربان قد أعده ليشكل جزءاً أساسياً من الجزء الثالث من كتاب «تاريخ الفلسفة» ضمن سلسلة «لابلياد» المرموقة. والحقيقة أنه كان من الصعب على أي مفكر فرنسي آخر أن يوصل الفلسفة الإسلامية، بكل أبعادها وتفاصيلها إلى تلك السلسلة على هذه الشاكلة، لأن أول ما يميز هذا الكتاب إنما هو شمولية تفصيلية يفتقر إليها الكثير من الكتب التي عالجت تاريخ الفلسفة الإسلامية. ومن هنا يبقى هذا الكتاب استثنائياً في مجاله، وفي تعامله مع تاريخ الفلسفة الإسلامية. وتبقى لمؤلفه سمعة الرائد المؤسس.

 

> ينطلق هنري كوربان في كتابه من فكرة أساسية، من المدهش ان كثراً، من قبله ومن بعده، لم يروها بديهية، وهي أن «الفلسفة في ديار الإسلام لم تكتف بأن تتلقى إرث الإغريق. وأن دورها في التاريخ لم يتوقف مع موت ابن رشد». ونعرف أن معظم مؤرخي الفلسفة الإسلامية كانوا يرون ذلك، كانوا يرون أن الفكر الفلسفي الإسلامي إنما هو آتٍ من الفكر الإغريقي، وأنه انتهى في الأندلس مع كتابات ابن رشد التي كانت تنويعاً على ذلك الفكر. أبداً... يقول هنري كوربان، ويغوص بعيداً ما قبل الإغريق العقلانيين، ثم يصل إلى الأزمان الأحدث، رابطاً الفلسفة الإسلامية بما تلا ابن رشد لا سيما في المشرق العربي والفارسي، حيث تواصلت الفلسفة الإسلامية بأشكال أخرى، وبنزعات عقلية مختلفة عما كانت عليه النزعات العقلية مع وارثي أرسطو.

 

> وفي سبيل شرح هذا كله، يعيد كوربان الاعتبار إلى «التفكير الفلسفي الآخر»، من دون أن يفصل، طبعاً، بين ما هو - تقنياً - عقلاني، وبين ما يعتبر غنوصياً او هرمسياً، أي أكثر ابتعاداً من العقل الخالص. ومن أجل هذا يحدد لنا منذ البداية انه هنا يتحدث عن الفلسفة الإسلامية، وليس كما اعتاد الكتاب ان يقولوا منذ العصور الوسطى، «الفلسفة العربية». وبالنسبة اليه، ثمة فارق كبير. ويرى، بالتالي أن تصوره للفلسفة الإسلامية، لا يمكنه أن يُحَدّ بما اعتادت الكتب المدرسية أن تتحدث عنه، مؤكداً أنه إذا كان المغرب (والغرب بالتالي) قد اهتما بالرشدية، ونظراً بعين الاعتبار إلى «الضربة القاصمة التي وجهها الغزالي الى الفلسفة»، فإن المشرق، لا سيما إيران، لم يتنبه الى الرشدية ابداً، كما انه لم يرَ ابداً أن «ضربة» الغزالي قد انهت الفلسفة... ومن هنا ما يمكن قوله عن كتاب كوربان من انه «إعادة نظر شاملة»، ليس فقط في تفاصيل وتاريخ الفلسفة الإسلامية، بل خصوصاً في منهج الدنو منها. وكان هذا جديداً، في توليفته على الأقل.

 

> يتألف كتاب كوربان، كما أشرنا، من قسمين أولهما يتوقف عند موت ابن رشد متناولاً مرحلة زمنية تمتد من العام 595م، الى العام 1198 (وتعاون كوربان في كتابته مع سيد حسين نصر وعثمان يحيى). أما الثاني فيتناول تاريخ الفلسفة الإسلامية من موت ابن رشد وحتى «أيامنا هذه»، أي أواسط القرن العشرين. وفي هذين الجزءين يتناول الكتاب، تباعاً، «كل التفاصيل والحقب» المتعلقة بموضوعه. وهكذا نراه يغوص على التوالي في منابع التفكير الفلسفي في الإسلام (لا سيما التفسير الروحي للقرآن الكريم، والترجمات عن أفكار الأمم القديمة). ثم ينتقل في فصل ثانٍ إلى التشيع وفلسفة النبوة، حيث يدرس على التوالي الشيعة الاثني عشرية ثم الإسماعيلية، قبل أن ينتقل في فصل ثالث إلى علم الكلام السنّي (المعتزلة، فأبي الحسن الأشعري فالأشعرية). وفي فصل رابع نراه يتوقف عند «الفلسفة وعلوم الطبيعة» (الهرمسية، جابر بن حيان، موسوعية إخوان الصفا، الرازي، البيروني، الخوارزمي، ابن القيّم...). ويخصص كوربان الفصل الخامس لمن يسميهم «الفلاسفة ذوي النزهة الهيلينية»، من أمثال الكندي والفارابي... وصولاً الى الغزالي ونقده الفلسفة. ثم ينتقل الى الصوفيين، قبل ان يخصص فصلاً بأكمله للحديث عن السهروردي وفلسفة الإشراق. وإذ يتوقف عند هذا المفكر الذي غالباً ما يسقطه التاريخ «الرسمي» للفلسفة، ينتقل بعد ذلك إلى الأندلس ليدرس ابن مسرة وابن حزم وابن باجة وابن طفيل وصولاً إلى ابن رشد، رابطاً كل واحد منهم بالمدينة التي عاش فيها وكتب (المرية... قرطبة، سراغسطة، قادش... الخ). وبهذا ينهي كوربان الجزء الأول من كتابه، خاتماً هذا الجزء بفصل قصير سماه «انتقال» استخلص فيه دروس الجزء، ممهداً لولوجه - عبر أسئلة أساسية يطرحها - الجزء الثاني الذي يستهله بالحديث عن كيف أن الفلسفة، بعد الأندلس وموت ابن رشد، واصلت طريقها الفكري لا سيما في المشرق العربي، وذلك في اتجاهاتها جميعاً: الفكر السني (كما عند الفلاسفة الأبهري وابن سبعين وقطب الدين الرازي) ثم علماء الكلام مثل فخر الدين الرازي والتفتازاني والإيجي... ثم خصوصاً عند ابن تيمية وتلامذته من «خصوم الفلسفة»، واصلاً إلى الموسوعيين من طينة القزويني وابن خلدون. وهنا إذ يختتم المؤلف عرضه للفكر السنّي عند هذا المؤرخ الكبير يتنقل إلى ما يسميه «ميتافيزيقيا الصوفية» قبل أن يصل إلى «الفكر الشيعي»، حيث يدرس عدداً كبيراً من المفكرين، من الذين سنعود ونلتقيهم في شكل أكثر تفصيلاً ووضوحاً، وترابطاً حتى، في كتابه الموسوعي التالي «في الإسلام الإيراني» والذي يعتبر، من قبل معظم الدارسين، أعظم انجاز حققه في مضمار موضوعه هذا.

 

> غير أن انجازات هنري كوربان (1903-1978) لم تقف، بالطبع، عند هذين السفرين، فهو - حتى وإن كان قد اعتُرف له، بأنه في هذين الكتابين «قد قلب كل المسلمات الغربية القديمة حول تحقيب الفكر الإسلامي» - لم يتوقف طوال حياته عن الإنتاج الفكري من حول فلسفة إسلامية كان قد بدأ الغوص فيها حقاً في العام 1939 حين عاش حقبة في تركيا، ثم في إيران بدءاً من العام 1945. وهكذا منذ ذلك الحين، أبدل اهتماماته القديمة بالفكر الألماني (كان أول من ترجم هايدغر إلى الفرنسية) باهتماماته الجديدة، التي صارت شغله الشاغل حتى رحيله، ولم يتوقف خلال ذلك كله عن التنقل بين شتى أرجاء العالم الإسلامي، مركزاً خصوصاً على إيران. ومن كتب كوربان المهمة، الى ما ذكرنا: «رجل الإشراق في التصوف الإيراني» و «الفلسفة الإيرانية والفلسفة المقارنة»، و «الإنسان وملاكه» الذي صدر بعد رحيله.

 

 

 

الكاتب: إبراهيم العريس

المصدر: جريدة الحياة

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية