كتاب 'زوال العالم الإسلامي' ... آراء تبسيطية وطروحات غير موضوعية

12 شباط 2016

يكتب المؤلف المصري - الألماني حامد عبد الصمد في كتابه "زوال العالم الإسلامي"، أنه لا محالة من هلاك الإسلام والثقافة العربية الإسلامية. بيد أن الحجج التي يقدمها المؤلف لا تجعل فرضياته مُقنِعَة، بحسب رأي كريستيان هورباخ.



يبدو أن انتقاد الإسلام يتحوّل في ألمانيا على نحو متزايد إلى تجارة مربحة. وإلا كيف يمكن تفسير وفرة الكتب التي تبذل من حيث الموضوع قصارى جهدها لكي تصف عيوب وأخطاء "الإسلام"؟ وإلى جانب هذه الكتب يصطف عمل المؤلف المصري - الألماني حامد عبد الصمد، عملٌ يُفترض أن يشكـِّل نجاحا كبيرا آخر ضمن مجموعة كتب انتقاد الإسلام.

 

 يصرِّح الكاتب المسلم المولود في مصر بأنه يُقدِّم من خلاله كتابه رسالة إنسانية، ذلك لأنَّ "من يأخذ المسلمين بالفعل على محمل الجد، لا بدَّ له من ممارسة انتقاد الإسلام". أما سبب مؤازرته عمومًا للإسلام باسم الإنسانية، فهذا ما يشرحه لقرائه في عدة مواضع من الكتاب بجهدٍ لا يعرف الكلل، حيث تقرأ ما يلي: " العالم العربي الإسلامي سوف يزول. هناك مبدآن يحكمان الحياة والطبيعة: التنوّع والمرونة، ومن يعارضهما يكون مصيره الانقراض. والعالم الإسلامي يفعل ذلك منذ فترة طويلة، وبالتالي سوف ينهار بسبب ذلك."

 

افتراضات وفرضيات

 

هذه هي افتراضاته الأساسية. يسعى عبد الصمد عن طريق وصف الأوضاع في العالم الإسلامي والأسباب الكامنة ورائها، لأنْ يُبيِّن حتمية زوال العالم الإسلامي، لا بل وأيضًا زوال الفكر الإسلامي. ويتناول في هذا السياق عدة مواضيع كبيرةٍ دفعةً واحدةً، مثل موضوع استقراء المسلمين للتاريخ. ويقول إنَّ المسلم عمومًا يشعر "بالارتياح في حطام التاريخ" ولا يريد ولا يستطيع العيش بدون جهةٍ يحمّلها مسؤولية مِحَنِه التي سبَّبها لذاته بذاته. ولطالما ترد لديه عبارة "المسلمون الذين يشعرون بالمهانة بشكلٍ مزمن".

 

 يجري الحديث أيضًا عن "الجرح الانثروبولوجي" للإسلام، وهو مصطلح استعاره عبد الصمد من أعمال المؤلف السوري الشهير والعالم اللغوي جورج طرابيشي. يقول عبد الصمد بكلماته، إن "الثقافة الإسلامية تعاني داخليًا من خجلٍ بنفسها تحاول التغطية عليه من خلال المبالغة في إظهار تفوُّقها الأخلاقي."

 

انعدام الموضوعية

 

فصلُ الكتاب الذي يصف فيه حامد عبد الصمد محتوى الكتب المدرسية العربية بوضوح بناءً على بعض الأمثلة مثيرٌ للاهتمام ومُقلِقٌ للغاية في الوقت ذاته. وما يرويه عن المصير المأسوي لابنة أخيه المصرية، التي جرى ختانها أولا، ثم تزويجها زواجًا مُبكرًا، وإخراجها من المدرسة في وقت لاحق، يحث على التفكير أيضًا. بشكلٍ عامٍ يفلح المؤلف في إثارة شكوك القارئ بين الآونة والأخرى في فعاليَّة الثقافة الإسلامية وجدواها.

 

 تكمن قوة الكتاب خصوصًا في المواضع التي يعرض فيها علاقات الشرف، والنسب، والدم، والعذرية، وتأثيرها على الثقافة الإسلامية العربية. ويفلح المؤلف بلا ريب في أن يُبيِّن بشكلٍ مفهومٍ أن الوعي القبلي العربي القديم ما زال راسخًا حتى الآن في أذهان الكثير من المسلمين، وإمكانية انعكاس الآثار السلبية لهذا على نمو وتطوّر الفرد، ويكتب بهذا الصدد: "أكبر عجزٍ في الإسلام يكمن في موقفه من الفردية والتطوّر الشخصي".

 

بيد أنه بالرغم من بعض هذه الفصول التي قد تكون مثيرةً للاهتمام، إلا أنَّ فصول الكتاب كلها تعاني من الأعراض ذاتها. وذلك لأنَّ نظرة المؤلف تفتقر إلى التمييز والموضوعية الضروريين. بل يتخذ عبد الصمد بالأحرى دور معتنق دينٍ جديدٍ يسعى على ما يبدو إلى تسوية حساباتٍ مع معتقداته الدينية القديمة. وينبثق عن تسوية الحسابات هذه جُمَلٌ غريبةٌ مثل الجملة التالية: "لم يبقَ اليوم في العالم الإسلامي سوى أطفال معتوهين ولدوا نتيجة نكاح المحارم". بهذه الأقوال يبتعد عبد الصمد عن النهج الموضوعي الذي يستنير بالمعرفة والإلمام بالقضايا المعقّدة.

 

الهوس بتقديم الجوهر على الوجود

 

إنَّ غياب الموضوعية يجعل من حجج عبد الصمد حججًا غير حصينة. وهو يتحدث بشكلٍ مستمرٍ تقريبًا عن الدين الإسلامي، لكنه يقصد الثقافة العربية. ويعترف في مقدمته على الأقل، بأنه لا يستطيع التعليق على الإسلام في آسيا، كما أن تركيا لا تلعب إلى حدٍّ كبيرٍ دورًا في أفكار كتابه. لكنْ عرض الإسلام المتميّز بتنوعاته واختلافاته الإقليمية بناءً على وصف العالم العربي فقط، لا يمكن أنْ يكون كافيًا، ويؤدي حتمًا إلى نتائج خاطئةٍ.

 

  لا يمكن إنكار معاناة العالم العربي من مشاكل خطيرة، لا سيما في مجال التنمية السياسية. وعبد الصمد لا يتعامى بلا ريبٍ عن الأسباب الدنيوية المسبِّبة لهذا الوضع، مثل عدم كفاءة القيادة السياسية والحكام أو غياب الرغبة بالثورة لدى الجماهير العربية. لكنه يرتكب للأسف خطأ إرجاع كلِّ خللٍ في التطوّر إلى الإسلام وربطه به بأسلوبٍ متشنجٍ. وليس آخرًا يُسلـِّط الربيع العربي ضوءًا مختلفًا على العلاقة بين الدين والتطلـُّع إلى الحرية في العالم العربي.

 

تجاهل الإصلاحات الإسلامية

 

وهنالك إشكاليةٌ بالغةٌ في تعاطي عبد الصمد مع حركة الإصلاح الإسلامي. يتحدث المؤلف بشكلٍ مُهينٍ عن "ما يسمى بالإصلاح الإسلامي" وكأنه لم يسبق أنْ كان هنالك إصلاحٌ قط. أما نقده الرئيس الموجّه لمثقفين مشهورين عالميًا من أمثال نصر حامد أبو زيد الذي توفي مؤخرًا، أو طارق رمضان، فهو أنهم يسعون لإعادة تفسير القرآن فقط، بدلاً من تنحيته جانبًا بشكلٍ كاملٍ والتركيز على الحقائق الجديدة.

 

 بتناوله الانتقائي هذا ينفي عبد الصمد بأسلوبِ غير مشروعٍ حركة الإصلاح الإسلامي التي تجري منذ القرن التاسع عشر.

 

وثمة نفورٌ من الدين الإسلامي يلازم جلَّ الكتاب ويُجانب إلى حدٍّ بعيدٍ الموضوعية الضرورية للبحث في الموضوع الذي اختاره عبد الصمد.

 

 

 

كريستيان هورباخ

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية