"تان تان": غريب في بلاد العرب

24 كانون ثاني 2016

لم يَـرِدْ اسمه ضمن قائمة الشخصيات المائة الذين اختارتهم مجلة "تايم" الأميركية أواخر سنة 1999 واعتبرتهم الأجدر بالرسوخ في ذاكرة القرن العشرين؛ ومع ذلك، فقد نجح -وهو الفتى اليافع- في التسلّل إلى "حظيرة الكبار".. إنّه المغامر الصغير "تان تان" الذي جاب العالم ووطئت قدماه القمر ولم يَـنْـسَ في رحلاته الكثيرة الساحرة أن يزور بلاد العرب وأن يطلق العنان فيها لخياله.. خيال حاول المؤلف والديبلوماسي الفرنسي لوي بلين أن يفككه وأن يبيّن عناصره ومصادر استيحائه في كتاب له تحت عنوان "العالم العربي في مجلّدات تان تان".

 

ورطة السرد

 

أروع ما في السرد وأخطر ما فيه أنّه غالباً ما يوقعنا في أحبولة لذيذة ومربكة نكاد لا نتبيّن معها الفرق بين الواقع والوهم وبين المرجع والمتخيّل، إلى درجة أن بعض الشخصيات التي ندرك تماماً أنها مجرد كائنات من ورق سرعان ما تملك علينا أنفسنا وتملأ وجودنا فنجريها مجرى الحقيقة ونعاملها كما لو كانت كائنات من لحم ودم.

 

مع صفحات المقدّمة التي حملت توقيع هنري لورانس، أستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر في الكوليج دي فرانس، تترسخ لدينا القناعة بأن شخصية تان تان قد أوقعت الكثيرين في أحبولتها بعدما تمكّنت من تخطي منزلتها الورقية المتخيلة لتستقر في وعي المتقبلين كما لو كانت حقيقة تنبض بالحياة. وليس أدلّ على ذلك من إشارة صاحب المقدمة إلى أن الجنرال ديغول 1890-1970 كان يعتبر تان تان "غريمه الحقيقيّ الوحيد على الصعيد الدولي".

 

الوجه وما يخفيه

 

بوجه مستدير ووجنتين دائمتي الاحمرار، وبشعر أشقر حليق تعلوه ناصية ترتفع خصلاتها نحو السماء استقرّت صورة تان تان في الأفئدة وحرّكت الملايين عبر العالم. وطيلة ما يفوق ثلاثة أرباع قرن من 1920 وحتى 1990، ظلّت الصورة تفعل فعلها في المتقبّلين، صغاراً ثمّ كباراً، وكان الجمهور في كل مرّة ينقاد إلى مغامرة جديدة مغرية. ورغم طابع التخييل والإيهام الذي يحرّك السرد ويوجّهه، فإن تان تان لم يولد من عدم ولم يأت من مدينة فاضلة ولا من زمن سرمدي مفارق بل هو -بكل تأكيد- ابن أبيه الرسام البلجيكي جورج ريمي 1907-1983 الذي أصرّ على التخفي وراء اسم فني مستعار، اسم "هيرجيه"؛ وهو أيضاً -ودون أدنى شكّ-ابن القرن العشرين بآلامه وآماله وحروبه وأحلامه، وعن هذه "الأبوّة المزدوجة" نشأت العديد من المفارقات الصميمة ذات الدلالات العميقة.

 

ففي جميع رحلاته عبر العالم، ظلّ تان تان شاهداً على العصر. ولكنّ شهادته تلك لم تكن بريئة كما نظنّ لأنّها حملت في طياتها الكثير من الأحكام المسبقة والصور النمطيّة التي تعكس زاوية نظر الأب أكثر من تعبيرها عن "حقيقة مشاعـر" الابن. وذلـك مـا تجلّى -على وجه الخصوص- من خلال ملامح التربية الكاثوليكية التقليدية الصارمة، ومن خلال مبادئ الحركة الكشفية القائمة على مقولات الشجاعة والإقدام والتضحية والانتصار للمظلومين؛ لا باعتبارهم أمماً أو شعوباً بل مجرد أفراد وضعتهم الصدفة في طريق تان تان ومغامراته التي كانت تذكي في ظاهرها الخيال وتحرّكه ولكنّها ظلت تردّد المسلّمات الاستشراقية وترتدّ إليها وتعيد إنتاجها.

 

خط الاستشراق

 

وللبرهنة على حضور التأثيرات الاستشراقية في حكايات تان تان، توقف الكاتب لوي بلين عند خمسة مجلّدات، أربعة منها دارت كلّ أحداثها أو جلّها في البلاد العربيّة، ونعني بذلك مجلّد "سجائر الفرعون" (1932-1934)، ومجلد "تان تان في أرض الذهب الأسود" (1939-1940، مجلد أول؛ و1948-1950، مجلد ثان)، ومجلد "السلطعون ذو الكلابات الذهبية" (1940-1941)، ومجلد "تان تان والفحم المخزّن" (1958)؛ أمّا المجلد الخامس والأخير الذي حمل عنوان "تان تان وفن الأبجدية" (1983، عمل غير مكتمل) فيتميّز عن سابقيه بظهور شخصيات ذات أصول عربية في سياق الأحداث التي كانت أرض أوروبا مسرحاً لها.

 

وعلى امتداد مغامرات تان تان العربية، يلاحظ الكاتب لوي بلين أنّ "هيرجيه" لم يهتم بتدقيق الأطر المكانية التي تجري فيها الأحداث، فهو لم يُـسَـمِّ دائماً البلدان العربية بأسمائها بل اكتفى بالتلميح إليها وبإيراد بعض القرائن الدالة عليها، والسبب في ذلك أنّه لم يزر الشرق إطلاقاً فكان عليه أن يتدارك نقص معرفته العيانية به وأن يقوم بمجهود توثيقي ما انفك يتطوّر من مجلّد إلى آخر، ولكنّه ظلّ -رغم تطوّره اللافت- حبيس المسلّمات الاستشراقية، بل أسير الصورة التي روّجت لها السينما الوثائقية ذات المنطلقات الاستعمارية.

 

وفي نفس سياق التحليل، درس الكاتب لوي بلين ملامح الشخصيات العربية كما رسمتها ريشة "هيرجيه" (شخصية محمد بن كليش عزب، وشخصية عبد الله، وشخصية بتراش باشا، وشخصية باب الإحر، وشخصية عمر بن سلعاد) فاستنتج أنّها نمطيّة في تكوينها وهيئتها وسلوكها ومواقفها والعبارات التي تستعملها، ممّا يحول دون تعاطف القرّاء معها ونفورهم منها. ومع ذلك، فإن تان تان لم يُـخْـفِ قُـرْبَـهُ من بعضها ولا سيما من شخصيّة الأمير الفتى عبد الله، في نزعة إنسانوية تحاول الانفتاح على الآخر وتفهّمه.

 

بين خطّ استشراقي واضح المعالم وممحاة إنسانوية تخفّف حدّة التمثلات الاستعمارية والعنصرية للعالم العربي كانت صورة تان تان صورة فتى غريب في بلاد غريبة.. بلاد سرعان ما زال عن ذهن "هيرجيه" سحرها بعدما زال مفعول الاستشراق ذاته، أو كاد.

 

 

الصحبي العلاني

المصدر: العربي الجديد

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية