كتاب الخبير الألماني فولكر بيرتيس: نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه

21 كانون ثاني 2016

قبل نحو قرن من الزمن اتفقت فرنسا وبريطانيا على تقاسم أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط بينهما، بيد أن الحدود التي وضعتها اتفاقية سايكس بيكو في سنة 1916 تبدو في حالة انحلال. الخبير الألماني فولكر بيرتيس استعرض في كتابه الأخير أسباب هذا التطور والسيناريوهات المحتملة لمستقبل المنطقة. الصحفية الألمانية أنِّه ألمِلينيغ تلخص لموقع قنطرة ما ورد في تحليل مدير المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية في برلين حول "نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه".

 

حربٌ أهليَّةٌ في سوريا، وهجماتٌ في العراق، ومكاسبُ يحققها تنظيم "الدولة الإسلاميَّة" الإرهابي داعش على الأرض – لا يمرُّ يومٌ منذ بداية ما يسمى الربيع العربي الذي انطلق في سنة 2011 دون ورود أخبارٍ من الشرق الأوسط الذي يعاني من الأزمات. وحيث كان الرؤساء الدكتاتوريون يضمنون الحفاظ على هدوءٍ يشبه صمت القبور، يبدو اليوم أنَّ كلَّ الاستقرار والنظام، اللذين كانا قائمين، في حالة انهيار.

 

يكتب فولكر بيرتيس في مقالته "نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه" أنَّ ما يحدث حالياً في المنطقة ليس سوى "بداية لمرحلةٍ من الاضطراب"، ذلك لأنَّ مجمل الدول والأنظمة التي أنشأتها القوى الغربيَّة في النصف الأول من القرن العشرين بين البحر الأبيض المتوسط والخليج الفارسي تقف على حافة الهاوية، بحسب رؤية مدير المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية في برلين.

 

النظام المرفوض

 

على الرغم مع أنَّ هذا النظام الذي وطَّدته القوى الغربيَّة من خلال اتفاقيَّة سايكس بيكو في سنة 1916 كان مرفوضاً في الكثير من بلدان الشرق الأوسط منذ البداية، بل اعتبر أيضاً سببَ كل المصائب، إلا أنَّ تقويض تنظيم الدولة الإسلاميَّة لحدود البلدان وفرض قوانينه الخاصة، يثير كذلك قلق الكثير من الناس في المنطقة وخارج المنطقة أيضاً.

 

"في المحصِّلة يتزايد عدد الناس الذين يرون أنَّ النظام القديم كان حقاً "سيئاً"، إلا أنَّ البديل لنظامٍ سيءٍ ليس نظاماً أفضل بالضرورة، بل من المحتمل ألاَّ يكون هناك نظامٌ نهائياً"، كما يكتب بيرتيس، ومن أسباب هذه الظاهرة: أنَّ الحكَّام السلطويين في معظم الدول العربيَّة لم يعد باستطاعتهم الحفاظ على "العقد الاجتماعي غير المكتوب" كما يسميه بيرتيس.

 

دعوةٌ للإصلاح

 

لا تتماشى التنمية الاقتصاديَّة في كثيرٍ من بلدان الشرق الأوسط مع النمو السكاني؛ وفي الوقت نفسه لدى الجيل الشاب مؤهلاتٌ علميَّةٌ أفضل مما كان لدى آبائه وأجداده والأمر ينسحب على التواصل والتشبيك، وفي النهاية طالب هذا الجيل بإصلاحاتٍ في سنة 2011 وبصوتٍ عالٍ لا يمكن تجاهله. مطالبُ لم يصُغها الغرب بهذا الوضوح أبدًا، ويكتب بيرتيس بهذا الصدد: " قبل عام 2011 لطالما كان يجري الخلط بين الركود السياسي والاستقرار. تبدو الأنظمة السلطوية مستقرَّةً طالما كانت قادرة على أن تقمع التناقض تحديداً، إلى أنْ تواجه صعوباتٍ جديَّةً".

 

المشكلة: جرى في الآونة الأخيرة طوأفة الصراعات السياسيَّة والاجتماعيَّة والجيوسياسيَّة في كثيرٍ من دول الشرق الأوسط (دفع المجتمع إلى التعصب الطائفي)، فالنخب السياسيَّة في العراق وسوريا تستغل حيثيَّة أنَّ مواطني بلادها ينتمون إلى أديان أو طوائف مختلفة، لتفضل جهة وتهمل الجهات الأخرى.

 

"طوأفة" الشعوب ... دفع المجتمع إلى التعصب الطائفي

 

"بيد أنه كلما زاد غياب النظام والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي واليقين قلَّ ضمان التعايش بين مجموعات السكان المختلفة في إطار كيان الدولة الموثوق، وازدادت أهميَّة الهويات والروابط الطائفيَّة والعرقيَّة والعشائريَّة"، كما يشير بيرتيس.

 

وللتخفيف من حدَّة الاشتباكات بين السنَّة والشيعة خصوصاً، لا بدَّ من تقارب العائلة المالكة السنيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة والقيادة التي يهيمن عليها الشيعة في إيران، بحسب بيرتيس الذي يطالب الولايات المتحدة الأمريكيَّة والاتحاد الأوروبي بدعم القوتين الإقليميتين لتحقيق ذلك.

 

اعتماد الدبلوماسيَّة بدلاً من التهديدات

 

شعاره: ينبغي على الديمقراطيات الغربيَّة ومن خلال الدبلوماسيَّة التقليديَّة السعي للتغلُّب على صراعاتها مع دول في الشرق الأوسط وعلى الصراعات بين مختلف البلدان في المنطقة. ويعتبر بيرتيس من الأمثلة الجيدة في هذا السياق تسوية النزاع النووي مع إيران بعد ثلاثة عشر عاماً من العمل الدبلوماسيِّ المكثَّف الذي تكلـَّل بالنجاح.

 

يدعو بيرتيس للتعاون أيضاً مع دولٍ ذات سياسةٍ إشكاليَّةٍ في الكثير من النواحي - على سبيل المثال، مع المملكة العربيَّة السعوديَّة. ويعلل ذلك بقوله: "إنَّ التعامل مع شريكٍ صعبٍ فاعلٍ أسهل في كل الأحوال من التعامل مع دول فاشلة". عددٌ غير قليلٍ من اللاعبين الإقليميين هم جزءٌ من المشاكل وفي نفس الوقت جزءٌ من حلِّها.

 

تحليلات قويَّة وملاحظات تفصيليَّة

 

في مثل هذه التحليلات البسيطة بشكلٍ ملحوظٍ نسبياً تكمن قوة مقالة بيرتيس، فقد استطاع في 145 صفحة فقط أنْ يستعرض خطوط الصراعات الجيوسياسيَّة الكبيرة في القرن الماضي وأنْ يسلط الضوء على مصالح ووجهات نظر مختلف الأطراف الفاعلة، وأنْ يصف في الوقت ذاته بتفصيلٍ ودقَّةٍ أحداث السنوات الخمس الماضية، ويبرز الارتباطات التي تضيع في أغلب الأحيان في خضم فيضان الأخبار اليومي.

 

إجابة بيرتيس الواضحة عن سؤال: كيف ينبغي على السياسة الغربيَّة أنْ تتصرف تجاه الشرق الأوسط؟ هي: التعاون، لكن دون إخفاء القيم والمصالح الخاصة، إلا أنَّ الخبير في شؤون الشرق الأوسط لا يوضِّح بالضبط للأسف، كيف ينبغي أنْ تكون هذه السياسة، حيث أنَّ الولايات المتحدة الأمريكيَّة والاتحاد الأوروبي بحاجةٍ ماسةٍ إلى توصيات محددة بالنظر إلى الحَيْرَة السائدة فيما يتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط.

 

يرسم بيرتيس في الفصل الأخير من كتابه "إطارًا للسياسة الأوروبيَّة" بخصوص ما يجب أن يحدث في سوريا حيث يقول: "لا بدَّ للسياسة الدوليَّة من أنْ تسعى لإحلال هدناتٍ قابلةٍ للاستمرار وإلى مفاوضاتٍ وعمليةٍ سياسيَّةٍ انتقاليَّةٍ تـُشكِّل مصداقيَّةً كافيةً لسحب البساط من تحت أقدام تنظيم الدولة الإسلاميَّة والجهاديين الآخرين". كلماتٌ لن يعترض عليها أيُّ سياسيٍ أوروبيٍ، إلا أنَّ وضعها موضع التنفيذ من شأنه أنْ يكون صعباً.

        

          

              

أنِّه ألمِلينيغ

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: موقع قنطرة

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية