النبي والنبوة والإسلام

13 كانون ثاني 2016

صدرت دراسةٌ عن النبيِّ محمَّد e وخلافته لأُستاذ الدراسات الشرق أوسطية بجامعة كورنيل ديفيد بورز D. Powers وعنوان الدراسة: (ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم: صناعة آخِر الأنبياء)! وبالنظر لِما أعرفُهُ عن ديفيد بورز من تطرف باعتباره من طلائع المُراجعين الجدد في عوالم الاستشراق الجديد، فقد اقتنيتُ الكتاب، وتفرَّغتُ لقراءته في الأيام الماضية. فوجَدْتُهُ يعودُ إلى قراءةٍ لآيتي (الكلالة) (12، 176 من سورة النساء)، كان قد طرحها قبل عشر سنواتٍ في كتابٍ حرَّرهُ عن المواريث في الإسلام. ومؤدَّاها أنّ تفسير المفسِّرين وعلماء القرآن للآيتين بأنّ الكلالة تعني الرجل المتوفّى الذي لا والدَ له ولا وَلَدَ على قيد الحياة خطأُ ناجمٌ عن (تحريف وإسقاط) (كذا) في الآيتين، بينما القراءةُ الصحيحةُ للآيتين تعني بالكلالة زوجة الابن المتوفَّى، وأنه كان المُراد زمن النبي توريث الزوجة ما كان ينبغي أن يرثَهُ الابنُ من أبيه لو بقي حياً! وأسرف الرجل وقتها في الاستنتاج فذكر أنّ ذلك لو كان لتغيَّر نظامُ الإرث في الغسالم! وكما أَذكُرُ فإنّ الأستاذ محمد أركون الذي بهرهُ "كعادته مع شواذّ الأفكار التي تخرُجُ على الإسلام (الأرثوذكسي)!" استنباطُ بَوَرز وافقه على ذلك وبالغ فيه يومها ذاهباً إلى أنّ هناك ولا شكّ عشرات المواطن في القرآن التي غيَّر الصحابةُ قراءتها أو حركاتها النحوية لكي يُغيِّروا معناها ومؤدّياتها!

                                 

أمّا هذه المرَّة فإنّ بَوَرز لا يكتفي بهذه البدعة، بل يسارعُ لتحويلها إلى أُطروحةٍ كبرى تتعلَّقُ بربْط النبي e نفسَه بيعقوب وموسى والمسيح، وكيف توارثوا النبوة عن آبائهم أو سُلالتهم ثم ورَّثوها أبناءَهم أحياناً. كيف فعل بَوَرْزْ ذلك؟ عاد إلى الآية رقم 40 من سورة الأحزاب: ﴿ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكنْ رسولُ الله وخاتم النبيِّين﴾، فاعتبر أنّ ربْطها بقصة زينب بنت جحش وتحريم التبنّي في الإسلام هو رَبْطٌ مصطَنَعٌ ولاحق. إذ إنه لا علاقة بين الجزأين الأول والثاني من الآية. بل إنها ترتبط بأساطير أنبياء بني إسرائيل السالفي الذكْر، وما دام النبيُّ محمدٌ ما كان عنده أبناء ذكور أحياء في سنوات عُمُره الأخيرة؛ فإنّ المفروضَ كان أن يصبح متبناه في الجاهلية زيد بن حارثة وريثاً له، لكنه استُشهد في وقعة مؤتة، فكان ينبغي أن ترثَهُ زوجتُه، كما ترث النبيَّ محمداًe نفسه باعتبارها زوجةَ ابنه، كما أنّ الابن أُسامة بن زيد بن حارثة من غير زينب، كان ينبغي أن يصبح ذا منزلة خاصة في الإسلام. وقد استطرد المؤلّف استطراداً طويلاً عن قضايا الميراث وذوي الأرحام والزوجات والأولاد عند بني إسرائيل، ليصل بعدَها إلى أنّ كُلَّ هذه الأُمور أَنْهاها صحابةُ النبيِّ بإدخال تعديلات على الآيات القرآنية في الكلالة، وفي تحريم التبنّي، ومن ضمن ذلك ابتداعُ أسبابِ نزولٍ لآية تحريم التبنّي! ومن ضمن (أدلته) على ذلك الأمر المَهول أنّ معنى (كلوت) أو (كلول) في اللغات القديمة ببلاد ما بين النهرين: زوجة الابن، وأنه وجد مخطوطةً قرآنيةً من القرن الأول الهجري تُظهر تغييراً طفيفاً في تحريك إحدى آيتي الكلالة!

                                

لماذا اهتممتُ بهذه الدراسة الغريبة؟! اهتممتُ بها لأنها ليست وحيدةً في هذا الباب. بل هناك تركيزٌ في الثلاثين عاماً الأخيرة وفي عشرات الكتب ومئات المقالات على أمرين اثنين: أنّ النبيَّ محمداً عمل بطريقةٍ واعيةٍ، كما عمل أصحابُهُ على اتّخاذ النبوة عند بني إسرائيل نموذجاً يحتذونه في تصوُّرهم لِنُبوّتِهم ونبيِّهم. والأمر الثاني: أنّ هناك عشرات الدراسات ومئات المقالات التي تُركّزُ على الأُصول السريانية للقرآن الكريم. في المجال الأول استخدموا سيرة ابن إسحاق (المبتدأ والمبعث والمَغازي)، وحيث ما شفى ذلك غليلهم عادوا إلى قصص بني إسرائيل في القرآن. وبعد هذا وذاك، عندما يجدون أنّ الاقتباسات من المصدرين ليست كافيةً أو تُظهر اختلافات بين صورة النبي في القرآن والسنة والسيرة عن النبوة والأنبياء عند بني إسرائيل؛ فإنهم يذهبون إلى أن الصحابة حرَّفوا وغيَّروا القرآن مثلما فعلوا في آيتي الكلالة وآية ختم النبوة! أمّا في المجال الثاني فقد أصرَّ الدارسون من المستشرقين الجدد على أنّ القرآن في الأصل نُسخة مترجمة عن السُريانية للإنجيل الأبيوني (إحدى الشِيَع المسيحية)، ومنهم من يُسرِفُ في الحميمية فيحدّد لنا ورقة بن نوفل ابن عم خديجة أُمّ المؤمنين باعتباره مطران تلك الطائفة بمكة، وهو الذي ولّى النبيَّ زعامة الطائفة من بعده، وكان النبيُّ يعرفُ السريانية، لكنّ أصحابه زادوا من (تعريب) القرآن أو تحريفه لأنهم ما كانوا يعرفون السريانية، أو لأنهم أرادوا التغيير لضرورات الدولة! وقبل سنوات سمّى سريانيّ من أصل لبناني نفسه لوكسنبورغ، وأعاد ثلاثمائة كلمة من القرآن إلى (أُصولها السريانية) فتبيَّنتْ له عجائب كما قال، ومن ضمن تلك العجائب أنّ (الحور العين) في القرآن بإعادتها إلى قراءتها السريانية الصحيحة يصبح معناها عناقيد العنب الأبيض! وفي حين تتحول بعضُ الدراسات إلى طرائف وحكايات واصطناعات كما نرى، يَضعُ البعضُ الآخرُ منها على وجهه قناع الجدية والعلم من مثل القول: إنّ القرآن هو من نتاج الأزمنة الكلاسيكية المتأخِّرة (من 4 إلى 7م)، ويعتبر هؤلاء أنفُسَهم موضوعيين، لأنهم بذلك يقولون إنّ القرآن ليس موروثاً عن اليهودية والمسيحية فقط؛ بل وفيه عوالم رومانية وبيزنطية وزرادشتية ومن ديانات وتقاليد العرب الجنوبيين والشماليين قبل الإسلام. وعندما نُجادل بعض الزملاء في جدية وجدوى هذه (الدراسات)، يذهبون إلى أنهم يريدون الحصول على اعترافٍ بالقرآن يُضاهي الاعتراف بالتوراة والإنجيل. أما البعضُ الآخَرُ فيقول: إن الدارسين المسلمين القُدامى أو علماء علوم القرآن، والتفسير سبق أن تعرَّضوا لموضوعات مشابهة، وسلكوا مسالك مشابهة من مثل الكتابة في (لُغات القرآن) أو تفسير قصص الأنبياء بما هو واردٌ في التوراة وبعض الإنجيل، أو الاعتماد على اللغة أو أسباب النزول في فهم سياقات ومعاني بعض الآيات أو السُوَر.

                                

والواقعُ أنه -في سبيل الوصول إلى تأمُّل نقديٍ إلى أنواع التأليف هذه- ينبغي ملاحظة بعض الأُمور المبدئية؛ أولها: أنه ليس من حقّ المسلمين الذهاب إلى أنه لا ينبغي أن يدرس القرآن أو الموروث الإسلامي غير المسلمين. وثانيها: أنّ الدراسات الغربية في تاريخنا وثقافتنا ونصوصِنا -ومنها الاستشراقيُّ وغير الاستشراقي- قَدّمت وتقدِّمُ لقراءة تاريخنا الفكري والحضاري خدماتٍ جُلَّى في الفهم والتقدير والنشر والرؤى المتجددة، في بعض الأحيان. وثالثها: أنّ العقود الثلاثة الأخيرة شهدت من جهةٍ آخر، تبلْور (استشراقٍ جديد) ينطلقُ من الحاضر إلى الماضي، بمعنى أنه يبدأُ من أيديولوجيا القاعدة أو السلفية الجهادية، ليدرس الماضي الجهادي الإسلامي وليصل إلى نتائج أصالية فيما يتعلق بطبيعة الإسلام. وأنه حتى الكلاسيكي، الذي يبدأُ من القديم، يتعاملُ مع القرآن على أنه نتاجٌ وأمشاجٌ من ذلك القديم، شاركت في رؤاه وتوليفاته عدة أجيال.

                               

لقد كان الاستشراق عبارةً عن فيلولوجيا مفهومة في سياقٍ تاريخي. ولكلٍ من الأمرين، أي الفيلولوجيا والتاريخ، قواعد وآليات وطرائق تأمُّل ومقارنة. أمّا الاستشراق الجديد فهو عبارةٌ عن فيلولوجيا بدون قواعد، ومحرَّرة أيضاً من التاريخ. ولذا لا يمكن معه الاحتكام إلى شيء، حتى إلى قواعد اللغة فضلاً عن التاريخ وتفسيراته ومذاهبه.

                           

إنّ المخرج من هذا الإغراق في الوهم -بغضّ النظر عن أسبابه- يكمن في قيام وتطور وازدهار دراسات إسلامية جدية غير وعظية أو تقريظية لدى العرب والمسلمين، ليس من أجل الردّ على الدراسات الأُخرى؛ بل للمُضيِّ في تجديد الدراسات القرآنية، ودراسات السيرة النبوية، والحضارة الإسلامية. وليس معنى ذلك أنّ شيئاً من ذلك لم يحدُثْ حتّى الآن. بل ما أقصِدُهُ أنّه فيما عدا مجال نشر المخطوطات، ما قامت أعمالٌ دراسيةٌ كبرى تحولتْ إلى مدارسَ في تخصُّصات الدراسات الإسلامية المختلفة. وفضلاً عن ذلك، ما يزال هناك انفصال كبيرٌ بين الدراسات المنهجية والأُخرى ذات الطابع التجريبي والتطبيقي. ثم هناك عاملٌ ثالثٌ أسهم في القصور الذي نُعاني منه. وهو صعود الأصوليات الإسلامية المختلفة الأشكال والأنواع. وقد فرضَت جواً خانقاً جعل كثيرين من شبان علمائنا الأكفاء ينصرفون عن مجالات العمل النَظَري الدقيق والهادئ والتفحص. ويلتحقُ بذلك عاملٌ رابعٌ يتصل بالتطورات المعرفية والمؤسَّسية في التخصُّصات الجامعية العليا. وهي تطوراتٌ سلبيةٌ لجهات التحصيل المعرفي والتدريب المنهجي والإصغاء إلى إدراكات التداخل والامتزاج بين الدراسات الإبستمولوجية في العلوم الإنسانية، والأُخرى الخاصّة، بالعلوم البحتة والتطبيقية.

            

              

                  

الكاتب: رضوان السيد

المصدر: مجلة التسامح

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية