حوار مع الكاتب حسين شاويش حول كتابه "الإسلام عشقاً"

17 كانون ثاني 2017

 

التصوف جوهر الدين وحقيقة اليقين

 

إنه كتاب في الدين وفي الفكر السياسي في آن، لكنه يبتعد عن استخدام لغة بعض الكُتّاب التراثية، التي تجاوزها الزمن، كما يبتعد، ترفّعا، عن استخدام لغة التحليلات السياسية أو التفسيرات الثقافية الجاهزة. ورغم ذلك فإن القارئ سيدرك المعرفة العميقة لمؤلّفه بالتراث الإسلامي، كما سيدرك، من خلال بناء الكتاب ومعالجته، معرفة مؤلفه الرصينة بالفكر الغربي. أحمد القاسمي حاور الكاتب لموقع قنطرة.

 

تبدو في كتابك هذا وكأنك تريد نقل النقاش إلى مكان آخر مختلف تماما، أو تعيد طرح سؤال ذي أولوية. فالخطاب في العالم الإسلامي الحديث، قبل أن "تستيقظ الفتنة الطائفية"، كان مهتما في عصر النهضة بمواءمة الإسلام، على عمومه، مع الحداثة. ثم تحوّل في وقت لاحق لرفض التراث الإسلامي، والتبشير إما بالشيوعية والفكر الماركسي، أو القومية العربية أو الليبرالية. هل كنا غافلين طيلة هذه المدة عن الطاقة الموجودة في التصوف الإسلامي؟

 

حسين شاويش: نعم. لا بد من نقل النقاش إلى صعيد آخر مختلف، وبأسئلة مختلفة أيضاً.  لقد كان سؤال نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين محكوماً بظروف الاجتياح الأوربي للشرق. كان "المفكّر الشرقي" في حالة لا يُحسَد عليها: فهو لا يستطيع إنكار أن هؤلاء المستعمرين أقوى بكثير وأكثر تمدّناً وخاصّة إذا زارهم في بلادهم، لكنّه في الوقت نفسه مُلزَم بمواجهتهم باعتباره لسان حال أمّته.

 

موقف المواجهة هذا وجدناه لدى الأفغاني ومحمّد عبده في مرحلته الأولى (قبل العودة إلى مصر 1888). وقد لخّصته جريدة "العروة الوثقى" التي كانا يرسلانها سرّاً من باريس (عام 1884). موقف المواجهة المذكور يمكن تلخيصه بضرورة توحيد دول الإسلام وطرد المستعمرين والتخلّص من نفوذهم من ناحية، والدفاع عن الإسلام ومحاولة إثبات أنّه "الدين الوحيد الذي تتم به سعادة الأمم" على حد تعبير الأفغاني في كتابه الوحيد "الرد على الدهريين" من ناحية أخرى.

 

وعندما كانوا يُسألون: ما دام الإسلام كذلك، فما هو سرّ تأخّر المسلمين؟ كان ثمة جوابان ممكنان أولهما أن ما يمارسه الناس هو نوع فاسد من الإسلام يجب تنقيته، والثاني هو أن هناك "سنن للتمدّن" جرت عليها أوربا وأهملها المسلمون وهم إذا طبّقوها سينهضون من غفوتهم.

 

وعندما فشلت الاستراتيجية الأولى (المواجهة السياسية بتوحيد مواقف الدول الإسلامية ضد بريطانيا أساساً) لجأ محمد عبده إلى السياسة الإصلاحية التي تبدأ من إصلاح التعليم الديني في الأزهر. إذن فقد كانت "مواءمة الإسلام مع الحداثة" هي مجرّد دافع لا شعوري عند رائدَي النهضة، أمّا على صعيد الوعي فقد كانا سلفيين، يريدان أن يعيدا للإسلام نقاءه الأوّل، أي العودة إلى النصوص الأولى.

 

ليس من الصعب تتبّع مصائر هذا الخطاب من خلال الانتقال بين أجيال الأساتذة والتلاميذ: من الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا إلى حسن البنّا. الخطاب المضادّ قاده أتاتورك في تركيا وجماعة "مصر حِتّة من أوروبا" في مصر. يسمّيه الكثيرون خطاباً ليبرالياً رغم استبداديتة في معظم أشكاله وقد فشل في تجميع الناس حوله لأنّه كان أصلاً خطاباً إستلابيّاً ملخّصه: الآخرون متقدّمون ونحن متخلّفون فلنقلّدهم بكل شيء. وباعتبار أن الـ "كل شيء" غير ممكن فقد اكتفوا بالشيء الممكن وهو الشكليّات كاللباس مثلاً.

 

أما الخطاب اليساري سواء أكان ماركسياً أم قومياً فقد اعتبر أن خصمه هو التيّار الليبرالي كون التيار الإسلامي هو شيء ينتمي للتاريخ لا للقرن العشرين. لقد شخّص هؤلاء عدوّهم على أنّه الاستعمار والطبقات السائدة ولذلك كانت هزيمة حرب الـ 67 قاصمة لهم سياسياً وفكرياً في الوقت نفسه.

 

من هذه الخطاطة العامة لتطوّر الخطاب العربي-الإسلامي المعاصر نرى أن "البحث النقدي" في الدين نفسه ولأهداف نهضوية لم يجر - نوعياً لا كميّاً- حتى الآن. أقول هذا رغم الكم الهائل من البحوث الأكاديمية الحديثة التي نعرفها والتي يكاد يكون أبرز أسمائها محمد أركون وتلامذته.

 

دراستي في التصوّف الإسلامي تحاول إظهار ما سمّيته في سؤالك "الطاقة الموجودة" في التصوّف، على أنها ما علينا استبقاؤه من الدين زاداً للمواطن المتديّن من ناحية ووجهاً إنسانياً يمكن تقديمه للعالم من ناحية أخرى. وعلى أنها ستجعل ذلك المتديّن يبحث عن أسباب التمدّن – بتعبير الأفغاني- في مكانها الحقيقي كالتكنولوجيا والتعليم والعدالة الاجتماعية.. وليس في الدين، وكل ذلك دون أن يتخلّى عن تديّنه.

 

ما الذي سيحدث برأيك إذا ما عدنا للإسلام الصوفي الذي ذكرتَ في كتابك أنّه كان سائدا حتى بدايات القرن العشرين في البلدان الإسلامية؟ مع الأخذ بنظر الاعتبار كل التطورات الاجتماعية والحداثية التي طرأت على المجتمعات الإسلامية. هل يمكن أن تصبح الشعوب الإسلامية أكثر تسامحا، وهل لك أن توضّح لنا العلاقة بين التصوّف والتخلف المجتمعي؟ هذه مسألة أشرت إليها ضمنيا في كتابك، كما سبق لعبد الرحمن بدوي أن ربط بين ظهور التصوف في الإسلام والتخلف المجتمعي.

 

حسين شاويش: لا يمكن العودة إلى الإسلام الصوفي الذي ساد شارع ما قبل الحداثة. التاريخ لا يعود إلى الوراء، رغم كل ما نشاهده من "ركودة تاريخية" في بلادنا. المطلوب من التصوّف هو تلبية حاجة المتديّنين إلى الشأن الروحي، وبشكل فردي إن أمكن، إذ أن المؤسسة الصوفية التقليدية (أي الطرق الصوفية المنظّمة) تستحقّ بلا شك معظم ما وُجّه إليها من نقد.

 

من المنظور البنيوي يمكن القول أن المؤسسة الدينية هي جزء من المجتمع تتخلّف بتخلّفه وتتقدم أيضاً بتقدّمه. وبهذا المعنى يجب النظر إلى البنية الاجتماعية ككل متكامل وتحرّي أسباب تخلّفها التاريخي. وهي أسباب سنجدها في المجال الديني كما في المجالات الأخرى. وإن ليس بالقدر نفسه من "المسؤولية عن التخلّف" طبعاً.

 

سأضرب مثلاً هنا يساعد على فهم ما أعنيه: لماذا أدّت الهجرة من الريف إلى المدينة إلى ترييف المدينة وليس تمدين الريف كما يُفترض أن يحصل؟ لكنّ هذه القاعدة لا تعني أبداً نزع المسؤولية عن المؤسسة الدينية. إنها تحاول "مَوضعة" هذه المسؤولية. الدين مسؤول بنفس الدرجة التي يستطيع فيها التأثير بالناس وبطريقة تأثيره والمواضيع التي يتناولها في خطابه للناس. وهذا السبب الأخير هو الذي يعطي الأفضلية للخطاب الصوفي، فهو نظرياً على الأقل يركّز على فهم مختلف لمفهوم المقّدس وعلاقته بالفرد يجعل تلك العلاقة فردية بامتياز وروحية بامتياز. أي بالضبط ما نحتاج له للانتقال الى مجتمع يتقرّر فيه الولاء على أساس المواطنة لا الدين.

 

إذن فإن مسؤولية المؤسسة الصوفية القديمة عن تخلّف المجتمعات التي كانت سائدة دينيّاً فيها هي صحيحة بقدر إمكانية تأثير تلك المؤسسة على تلك المجتمعات والسؤال الأول هو لماذا نُبقي أي تأثير لأية مؤسسة دينية على المجتمع بهذا الشكل؟ والسؤال التالي هو كيف يتحوّل التصوّف من مؤسسة اجتماعية إلى قناعة دينية فردية.

 

أما عن موضوع التسامح فلا شك أن التصوّف أكثر تسامحاً من أمثاله من التيارات الدينية الأخرى. هذا إذا ظلّ مخلصاً لتلك الروح التي جعلت قائلهم يقول: "وقد صار قلبي قابلاً كل صورة". وعندما يعدّد تلك الصور يذكر أديرة الرهبان والتوراة ومعابد الأوثان. فالفلسفة الصوفية تجعل الناس جميعاً يعبدون "في الحقيقة" الإله نفسه. حتى ولو غيّروا من صورة المعبود.

 

لكنّ هذا لا يعني أبداً أنّ المتصوّفة كانوا بهذا التسامح دائماً في ممارستهم. لأنهم كانوا مشروطين بشروط المؤسّسة التي يتبعونها (الطريقة) وسياسة شيخها والتي كانت جزءاً من المجتمع نفسه بظروفه التاريخية.. وإذا أردنا المقارنة بينهم وبين خصومهم فعلينا أن نراعي هذا الظرف. قارن الخطاب الوهّابي بالخطاب الصوفي في الظروف نفسها مثلاً.

 

كيف يمكن إحياء التصوف الإسلامي، فالمعروف حاليا أن القراءات "القَويمة" للإسلام هي السائدة. فرغم اختلافات الطوائف الإسلامية فيما بينها، إلا أنها تكاد تتفق على رفض الباطنيين والمتصوفين، وتنظر لهم بازدراء. هل يجدر بنا القيام بقراءة جديدة لواحد من أشهر العلماء المسلمين، أبو حامد الغزالي الذي تناولته باستفاضة في كتابك وخلصتَ إلى أنّه وجد اليقين والسكينة في التصوف، رغم ما معروف عنه باعتباره ممثل الإسلام الرسمي، بالإضافة إلى هجومه العنيف على الباطنية وعلى الفلسفة والمتفلسفين في كتابه تهافت الفلاسفة.

 

حسين شاويش: أعتقد أن التصوّف يخضع في هذه الأيام فعلاً إلى عملية إحياء ما، سببها إدراك المسلمين لخطورة خصمه الأول "السلفية" وخاصّة بشكلها الوهّابي-. يمكن في هذا المجال اعتبار المغرب مثالاً، وإن كانت بعض "معاقل التصوّف" القديمة لا تزال تعطينا مثلاً على حيويّته النادرة كمصر والسودان وغيرهما.

 

بعض عمليات الإحياء هذه ليست بريئة على الإطلاق، إذ نرى فيها يد المؤسّسة السياسة واضحة جلية وهو أمر سيسيئ إلى التصوّف إن عاجلاً أم آجلاً. لا أعرف إن كانت الطرق الصوفية قد جدّدت ثوبها القديم بما يتناسب مع الوعي الديمقراطي الحداثوي. أشكّ بذلك، رغم اطّلاعي على بعض ما تنشره في الشبكة الالكترونية والذي يشير إلى نوع من التغيير فعلاً.

 

أما بالنسبة للغزالي فلا شك أن قراءته مفيدة شريطة أن نحتفظ بالنظرة النقدية والتاريخية لما كتب. يمكن للمسلم العادي أن يتعلّم الكثير إذا عرف كيف انتقل "حجة الإسلام" من موقع مثقّف السلطة السلجوقية الأكبر مُشرعاً لسانه الحاد في معاركه الكثيرة ضد الباطنية والفلسفة إلى موقع "المتصوّف العالم العامل" في خانقاه المتواضعه التي توفّي فيها نادماً على أيام شبابه التي قضاها في جدال لفظيّ أبعده عن قلبه وعن ربّه.

 

وبمناسبة كتابه الجدالي "تهافت الفلاسفة" والذي يمكن التعامل معه بأكثر من طريقة، إحداها موضعته في خريطة الصراع الفكري-السياسي في وقته مثلاً، لكنّ الأهم برأيي هو اعتباره مرحلة في تطوّر تفكير الغزالي نفسه. وهو أمر يبدو في منتهى المنطقية وينسجم مع الدراسة السيكولوجية لحياته.

 

ونحن إن سرنا في هذا الاتجاه فسنفهم أولاً إحدى الأطروحات الأساسية في كتابي "الإسلام عشقاً" وهي أن الدين هو "شأن القلب" لا العقل. وهو ما توصّل إليه الغزالي بعد أن جرّب العقل الكلامي والفلسفي فهجرهما ليلجأ إلى قلبه. لكنّنا سنفهم ذلك أكثر إذا قارنّا كتابه المذكور بالردّ الشهير عليه والذي كتبه ابن رشد، أقصد "تهافت التهافت".

 

إن قارئ القرن الواحد والعشرين لهذين الكتابين سيشعر بغربة حقيقية خلال القراءة، وسيسأل نفسه: هل هذان الرجلان (ومعهما ابن سينا الذي يكثر محقّق الكتاب من الاستشهاد به) جادّان فعلاً؟ هل من الممكن لعقل تأمّلي محكوم بمعارف تلك القرون أن يقرّر مسألة الإيمان؟ انطلاقاً من هذا التساؤل فقد كان الغزالي أكثر منطقية مع نفسه عندما رفض الوصول الى الإيمان عبر العقل.

 

تُصرّ في كتابك على فكرة التصوف كجوهر للدين. ماذا تقصد بذلك بالضبط؟

 

حسين شاويش: بعد أن تحوّل رجال الدين ودعاته إلى "عناصر شرطة دينية مقنّعة" ونصّبوا أنفسهم قضاة على الناس يتدخّلون في تفاصيل السلوك اليومي ليفرضوا تصوّراتهم على أنّها أوامر الله التي يعاقب مخالفها في الدنيا قبل الآخرة أصبح من الملحّ التركيز على أن "الموضوع الأساسي" للدين هو في الواقع الروح لا الجسد. إن الشأن الروحي هو جوهر الدين. هذه القاعدة وصلت إليها أديان أخرى كثيرة منها بعض تنويعات المسيحية والبوذية. لكنّ المتصوّفة عرفوا ذلك منذ البداية، أي منذ رابعة العدوية.

 

إنني أدّعي أن التصوّف أحدث ما أسمّيه "القطيعة الروحية" في الإسلام، وهنا أستخدم مصطلح غاستون باشلار المعروف، وإن في حقل آخر مختلف تماماً. المتصوّف تربطه بربّه لا علاقة الخوف بل علاقة الحب. إنّها الروح الفردية عندما تتّصل مع الروح الكونية.. وما هو الدين في الحقيقة إن لم يكن كذلك؟ هذا النوع من التديّن هو أقرب الى الممارسة الفردية من أن يكون جماعياً ومؤسساتيّاً. وهو ما من شأنه الدفع باتجاه "الفردانية"، أي بالضبط ما تحتاج إليه مجتمعاتنا المتشظّية عشائرياً وطائفياً.

 

هل تعني إعادة الشرعية للتصوف الإسلامي أنّ الإسلام والمسلمين سيجدون أنفسهم في علاقة أخوّة إنسانية مع معتنقي الأديان الأخرى، أو بإعادة التأكيد على أخوّة البشر بغض النظر عن أديانهم؟ بعبارة أخرى هل يعني ذلك أننا لن نكون مضطرين لاتخاذ مواقف دفاعية إزاء الانتقادات التي توجّه إلى الإسلام باعتباره دينا يدعو للجهاد وشن الحروب على المختلفين دينياً؟

 

حسين شاويش: ليت الأمور كانت بهذه البساطة. صحيح أن المتصوّف الحقيقي يعتقد فعلاً أن الأشكال المختلفة للأديان والعبادات هي مجرّد درجات في القرب من الإله نفسه، وهو بذلك يفترض أن يكون أقرب الى قبول الآخرين مهما كانت أديانهم. يمكن أيضاً الحديث عن "طاقة توحيدية" هائلة تكمن في الاعتقاد بوحدة الوجود، بحيث يصبح الفرق بين الناس شكلياً محضاً. في التفسير المنسوب الى ابن عربي يعتبر أن الجهاد هو جهاد النفس حصراً. وبالمقارنة مع الكثير من الفرق الإسلامية (الخوارج، الوهّابية..) فلا شك أن المتصوّفة أقرب إلى التسامح، لكنّ التاريخ يعطينا للأسف أمثلة مضادة.

 

هل تعتقد أن التصوّف المسيحي قد قام بشيء مماثل؟ هل كان له دور في أن يصبح المسيحيون أكثر تسامحا؟ لقد تحدّثت في كتابك عن المتصوف الألماني المعلّم إيكهارت الذي عاش في القرن الرابع عشر، وخلصت إلى أنه قام بشيء مماثل لما قام به المتصوفون الإسلاميون.

 

حسين شاويش: نعم، اعتقدَ المعلّم إيكهارت أن أصل النفس هو من نفس الجوهر الإلهي وهو امتداد له وليس خلقاً جديداً. لكنّ القرنين الثالث والرابع عشر لم يكونا يسمحان بأي خروج عن "العقيدة القويمة" ولذلك حوكم الرجل أمام محاكم التفتيش ومات قبل صدور الحكم. هذا رغم أن المسيحية تحتوي الكثير من العناصر التي تمهد الأرض للتصوف. لكنّ الناس لا يمكن أن تقفز عن عصرها وشروطه المادية. 

 

هل هناك تصوف حديث؟ بمعنى هل للتبدلات الكبيرة التي طرأت على العالم في القرون القليلة الماضية دور في إعادة قراءة مقولات التصوف القديمة؟

 

حسين شاويش: رغم الطاقة التجديدية الكبيرة الموجودة في أصل فكرة التصوف، أي اعتماد التأويل والاجتهاد الفردي ونقل موضوع الدين من التشريع إلى الممارسة الروحية فإن ذلك كلّه لم يجد بعد طريقه في العالمين العربي والإسلامي إلى التجسّد في تيّار جديد يتلاءم مع الحداثة.

 

لكنّني في الكتاب أذكر بعض المجموعات الصغيرة في الغرب الحديث التي إمّا أنها صوفية محضة أو أنها خلطت التصوّف ببعض الروحانيات الشرقية والأوربية التي انتشرت في الثمانينات والتسعينات، أي ما يُسمّى إيزوتيريك. 

 

هل يمكن للتصوف الإسلامي أن يؤدي دورا مساعدا، من ضمن حلول أخرى، في حل المشاكل الطائفية، وكيف يمكن إقناع السنة والشيعة بالاعتراف بالتصوف؟ هل هناك مثلا متصوّفون في التراث الإسلامي يحظون بالتقدير لدى السنة والشيعة معا؟

 

حسين شاويش: بالنسبة لبعض مشايخ الوهابية فإن الكثير من الفرق الصوفية "كالبرهانية/الدسوقية" هي حصان طروادة الشيعي في الصف السنّي. وينطبق ذلك أكثر على البكداشية التي يشترك فيها السنّة والعلويون (كتيّار وليس كفرقة منظّمة). لكنّ طغيان السلفية الوهابية المدعوم بالبترودولار والذي كاد يدخل تحت سيطرته الجيل الثاني من الشارع الإسلامي خلق اتجاهاً عاماً جديداً جعل الجميع يركّز على هويته الطائفية ويحرص على عبارة "أهل السنّة والجماعة" وهي كما نعلم عبارة مُجزية قد تأتي على صاحبها بالملايين.

 

في الجانب الشيعي تُعتبر فلسفة التصوّف (العرفان) جزءاً طبيعياً مما يدرسه من يريد أن يصبح عالماً، فيما أعلم. أذكر أنني في أيام شبابي سألت أحد المشايخ فيما إذا كان ابن عربي إسماعيلياً، وذلك عندما لاحظت التشابه بين بعض كلامه وبعض كلام "إخوان الصفا".. يُجمع أكثر المتصوّفة على قداسة وقدم ما يسمّونه "الحقيقة المحمدية" وبعضهم يضيف عليّاً وأبناءه الى قائمة مقدّسيهم ولذلك نفهم هذا التقارب مع الشيعة. لكن ليست هناك فرق صوفية مشتركة الطائفة في هذه الأيام فيما أعلم.

 

قرأتُ في كتابك بأسف شديد عن ابن عربي وتضييقه، عندما كان قاضيا، على "أهل الكتاب". لكن كيف كانت العلاقة بصورة عامة بين المتصوفين المسلمين ومعتنقي الأديان الأخرى؟

 

حسين شاويش: نعم لقد حدث هذا. أعتقد أن ابن عربي كان لايزال يعاني من صدمة اجتياح الإسبان لبلده "مرسية" الأندلسية. وقد تلاقى هذا الدافع الانتقامي مع دافع سياسي لدى سلاجقة تركيا في ذلك الزمان والذين كانوا يواجهون "جيرانهم" البيزنطيين الذين كانوا يستغلّون رباط العقيدة الواحدة مع السكّان المحليّين..الخ. سلوك "الشيخ الأكبر" هذا هو استمرار للانتقائية التي بدأها الغزالي. أي خلط الشريعة التقليدية بالعرفان الصوفي.

 

قيل إن تجربة المهاتما غاندي في بعض وجوهها كانت رفضا للحداثة. فغاندي رفض استخدام المنتجات الصناعية الحديثة، وكان يغزل ملابسه بنفسه، هل يمكن أن يكون التصوف الإسلامي رفضا لقيم الحداثة، أم أنه ربّما بالاستعارة من السوسيولوجي الالماني أولريش بك، سيكون حداثة انعكاسية، أي الحداثة التي تتأمل نفسها وتعيد صياغة أولوياتها وأهدافها؟

 

حسين شاويش: هكذا كان في زمن يحيى حقّي مثلاً عندما كتب "قنديل أم هاشم" في ستّينات القرن الماضي. لكنّ الهجمة التي تعرّض لها التصوّف (منعه رسمياً في تركيا الأتاتوركية والجزيرة العربية الوهابية) ستجعل عودته، إن عاد، إلى الشارع العربي عودة متصالحة مع الحداثة على الأغلب. مفهوم الحداثة الانعكاسية قد يساهم هنا فعلاً ببعض الإضاءة لتلك الإمكانية.

 

عندما أتذكّر تعبير "الصحوة الإسلامية" الذي لا يزال شائعاً في الصحافة العربية تخطر في بالي أسطورة أهل الكهف عندما استيقظوا فأرسلوا أحدهم يشتري بالنقود التي كانت معهم طعاماً. لكنّ الناس اكتشفت أن عمر تلك النقود مائة عام على الأقل. فلنأمل أن المسلمين سيكتشفون أن "عملتهم الفكرية" التي يريدون أن يتاجروا بها في العالم عمرها أربعة عشر قرناً وقد آن الأوان لاستبدالها.

 

لكنّ أولريش بك يظل هنا أيضاً مفيداً، فقد تعلّمنا منه أن البنى الحديثة تتطوّر إلى جانب تلك القديمة. وهذا ما نراه في بلادنا أيضاً. أخيراً فأنا موافق على أن الحداثة تعيد الآن البحث "في دفاترها العتيقة" –وهو ما سمّي منذ زمن طويل "ما بعد الحداثة"- ولنأمل أنها ستجد في بعض أفكار التصوّف نقوداً لا تبلى، لأنها مصكوكة من الذهب مثلاً.

 

هل من خطوات عملية لإعادة الاهتمام بتراث التصوف والتعريف به؟

 

حسين شاويش: الحلم اليساري القديم (أي حلمي أنا أيضاً، ذات يوم) بأن الناس ستنصرف إلى تطبيق يوتوبيا العدالة والحرية التين طالما حلمت بهما الآن وهنا على الأرض وستتوقّف عن الحلم بالعدالة السماوية، أي بالآلهة والأديان، أقول هذا الحلم تبدّد تماماً كما نرى من الأحداث.

 

ويبدو من الواقعي أكثر أن نقول بأن هناك شيء اسمه "اللحظة الروحية" كإحدى لحظات/حاجات النفس البشرية. الملحد يلبّي هذه الحاجة في الاستغراق في الموسيقى أو الفن أو بممارسة التأمّل مثلاً.

 

الممارسات الروحية تتطوّر بتطوّر البشرية ولدى بعض الشعوب خبرة طويلة في هذا المجال. خذ مثلاً التأمّل. فهناك تأمّل ذاتي عميق يستدعي دائماً الجلوس والصمت، لكنّ هناك تأملاً قد يستغرق النهار كلّه ويرافق كل نشاطات الحياة بما فيها الأكثر بعداً عن الدين بالمعنى المعروف وهو يصبح أقرب إلى مفهم "الوعي"، أي الحضور الواعي للذات في كل ما تفعل. لكنّ ثمة من يفضّل الشكل الديني لتلبية تلك الحاجة. وأنا في كتابي هذا أقترح على هذا النوع من البشر أن يختاروا الشكل الصوفي للدين لأنّه ركّز على تلك اللحظة الروحية وعلى الإشراق العرفاني/القلبي..الخ. لهذا السبب الواقعي أجد أن مهمّة التعريف بالتصوّف تستحق التعب. ويبدو أن هناك من يشاطرني هذا الرأي. بل إن هناك من سبقنا جميعاً إلى ذلك وهو نصر حامد أبو زيد الذي كتب "هكذا تكلم ابن عربي" كما هو معروف.

 

أما عن الخطوات العملية، فلا أدري شيئاً. فيما يخصّني كنت إلى وقت قريب مشغولاً بالمسألة الطائفية، والكتاب الآن تحت تصرّف دار الفارابي وقد ينشر قريباً.

 

 

 

أجرى الحوار أحمد القاسمي في برلين

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

 

حسين شاويش ولد لعائلة فلسطينية مقيمة في سوريا عام 1953. تخرّج من كلية الطب البشري في جامعة حلب عام 1981، ثمّ درس علم النفس في ألمانيا، التي يقيم فيها حاليا. فاز كتابه "سفر بين العوالم" عام 2017 بجائزة ابن بطوطة لليوميات. اشترك في تأليف كتاب "الحبّ والاستلابّ مع المؤلّف محمد شاويش عام 1995.

© 2015 الإسلام الديمقراطي جميع الحقوق محفوظة | طور بواسطة :شركة نماء للحلول البرمجية